عبد القادر السلوي
938
الكوكب الثاقب في أخبار الشعراء وغيرهم من ذوي المناقب
عليه وسلم : " يا عباس ، يا عمّ النبيّ ، نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها ، إنّ الإمارة حسرة وندامة ، فإن استطعت أن لا تكون أميرا فافعل » . فبكى هارون بكاء شديدا . ثم قال : زدني يرحمك ، الله ، فقال : يا حسن الوجه ، أنت الذي يسألك الله تعالى عن هذا الخلق يوم القيامة ، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فافعل ، وإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غشّ لرعيّتك فإنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم ، قال : « 1 » " من أصبح لهم غاشّا لم يرح رائحة الجنة " فبكى هارون بكاء شديدا . ثم قال : عليك دين ؟ قال : نعم دين لربّي لم يحاسبني عليه ، فالويل لي إن حاسبني ، والويل لي إن ناقشني ، والويل لي إن لم يلهمني حجّتي . قال : إنّما أعني دين العباد . قال : إنّ ربّي لم يأمرني بهذا ، أمرني أن أصدق وعده وأطيع أمره ، فقال تعالى « 2 » : « وما خلقت الجنّ والإنس إلّا ليعبدون ، ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ، إنّ الله هو الرزّاق ذو القوّة المتين » فقال له : هذه ألف دينار فخذها فأنفقها على عيالك ، فقال : سبحان الله أنا أدلّك على النجاة وتكافئني بمثل هذا ، أسلمك الله ووفّقك . ثم صمت فلم يكلّمنا . فخرجنا « 3 » من عنده فقال لي هارون : إذا دللتني على رجل فدلّني على مثل هذا ، هذا سيّد المسلمين اليوم . فيروى أنّ امرأة من نسائه دخلت عليه فقالت له : يا هذا قد ترى ما نحن فيه من ضيق الحال فلو قبلت هذا المال لتفرّجنا « 4 » به ، فقال : إنّما مثلي ومثلكم كمثل قوم كان لهم بعير يأكلون من كسبه ، فلما كبر نحروه
--> ( 1 ) صفة الصفوة 2 / 245 وجاء في فتح الباري 13 / 127 وصحيح مسلم 6 / 9 : " ما من وال يلي رعيّة من المسلمين فيموت وهو غاشّ لهم إلّا حرّم الله عليه الجنّة " . راح ريح الروضة يراحها ويريحها : إذا وجد ريحها . ( اللسان : روح ) . ( 2 ) سورة الذاريات 51 / 56 - 58 . ( 3 ) أب ج ه و : فخرج ، وهو غلط ، والتصحيح من ش وسراج الملوك 26 وصفة الصفوة 2 / 246 . ( 4 ) أب ج ش ه و : لتفرحني ، وهو غلط صوبناه لموافقة السياق ، ويؤيد هذا التصويب ما جاء في سراج الملوك 26 : ففرجنا . وحلية الأولياء وصفة الصفوة 2 / 246 : فتفرجنا .