عبد القادر السلوي
924
الكوكب الثاقب في أخبار الشعراء وغيرهم من ذوي المناقب
نظيرا في الأدب والنصيحة وحسن الطاعة . فقال عبد الملك للحاجب : ائذن له ، فدخل فقرّبه ثم قال : يا ابن طلحة ، إنّ أبا محمد « 1 » ذكّرنا ما لم نزل نعرفك به من الفضل والأدب وقرابة الرّحم ووجوب الحقّ ، فلا تدع أمرا من خاصة نفسك وعامّ حوائجك إلّا ذكرته ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّ أولى الحوائج بالتقديم ما كان فيه للّه رضى ولحقّ رسوله صلّى الله عليه وسلم أداء ، ولأمير المؤمنين وجماعة المسلمين فيه نصيحة ، وإنّ عندي نصيحة لا أجد بدّا من ذكرها ولا يمكنني أن أبوح بها إلّا على حال خلوة فقال عبد الملك : أتسترها عن أبي محمد ؟ قال : نعم ، فقال عبد الملك للحجاج قم ، فقام ، فلما تجاوز السّتر ، قال عبد الملك لإبراهيم : قل نصيحتك ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّك عمدت إلى الحجاج في تغطرسه وتعجرفه وبعده عن الحقّ فولّيته الحرمين الشريفين ، وبهما من تعلم من أولاد المهاجرين والأنصار يسومهم الخسف ويسير فيهم بالعنف ، أتظن أنّ لك حجة بين يدي الله تعالى أو عند رسوله صلّى الله عليه وسلم ، إذا أقامك للخصومة ؟ كلا والله لا تنجو هنالك . فقال له عبد الملك : ظنّ بك الحجاج أمرا وأنت بخلافه ، قم فانصرف . قال : فقمت ، وما أبصر طريقا ، فلما خلفت السّتر لحقني لاحق من قبله ، فقال للحاجب : قل لإبراهيم يجلس ساعة ، وأذن للحجّاج فدخل فلبث مليّا . قال : ثم أذن لي ، فلما كشفت السّتر ، لقيني الحجاج وهو خارج ، فاعتنقني ، وقبّل ما بين عينيّ وقال : جزاك الله « 2 » [ خيرا ] أفضل ما جزى أخا واصلا ، والله لئن سلمت لأعلينّ كعبك ولأوطئنّ الرجال غبار قدميك قال ، فقلت في نفسي : إنّه يهزأ بي . فلمّا وصلت إلى عبد الملك أجلسني مجلسي الأول ثم قال : لعلّك يا ابن طلحة شاركت أحدا من الناس في نصيحتك التي ذكرت لي ؟ قلت : لا والله ، ولا أعلم
--> ( 1 ) أبو محمد كنية الحجاج . انظر الوفيات 2 / 29 . ( 2 ) زيادة في ج .