عبد القادر السلوي
248
الكوكب الثاقب في أخبار الشعراء وغيرهم من ذوي المناقب
وكان « 1 » الأصمعي حافظا للغة عالما بغريبها ، فطنا عارفا بأشعار العرب وأخبارها وأيامها ، وكان صاحب دين ، وكان « 2 » أبوه نذلا خسيسا جاءه عطاء الملك « 3 » بجماعة من أهل البصرة فوجده ملتفّا ، في كساء فركله برجله ، وصاح به يا قريب ! قم ويلك فقام ، فقال له : هل لقيت أحدا من أهل العلم قط ، أو من أهل اللغة أو العرب أو من الفقهاء والمحدثين ؟ قال : لا والله ، « 4 » ( قال : ولا سمعت شيئا ترويه لنا أو تنشدناه أو نكتبه عنك ؟ قال : لا والله ) . فقال لمن حضر : هذا أبو الأصمعي فاشهدوا لي عليه ، وعلى ما سمعتم منه لئلا يقول ولده غدا أو بعد غد : حدثني أبي أو أنشدني أبي ، فنفضحه . وكان الأصمعي صاحب نوادر وملح ورواية ، لا صاحب شعر ، وإن كان له شعر ففي غاية القلّة . فلذلك لم نفرده بترجمة تخصّه . وذكرته هنا على سبيل الاستطراد . وقد روي عنه أنه سئل : لم لا تقول الشّعر ؟ فقال : الذي يجيئني لا أرضاه والذي أرضاه لا يجيئني « 5 » ( أو كما قال ) . وقال في ذلك « 6 » : ( الطويل ) أبى الشّعر إلّا أن يجيء رديّه * إليّ ويأبى منه ما كان محكما فيا ليتني ، إذ لم أجد حوك وشيه * ولم أك من فرسانه كنت أعجما ومثله « 7 » عن غير واحد من الجلّة ممّن توقّف عن عمل الشّعر هيبة له لا جهالة به . ومن شعر إسحاق الموصلي قوله يرثي أباه إبراهيم « 8 » : ( الطويل ) سلام على القبر الذي لا يجيبنا * ونحن نحيّي تربه ونخاطبه
--> ( 1 ) شرح المقامات 2 / 189 بتصرف . ( 2 ) من شرح المقامات 2 / 192 بتصرف إلى قوله : « فتفضحه » . ( 3 ) ب : الملك ، أج د : الملط ، وهو غلط . وعطاء الملك راو من الرّواة المجهولين ، انظر الوفيات 2 / 100 . ( 4 ) ما بين القوسين ساقط من ب ج . ( 5 ) ما بين القوسين ساقط من د . ( 6 ) البيتان في زهر الآداب 1 / 245 والعمدة 1 / 117 . ( 7 ) العمدة 1 / 117 . ( 8 ) الأبيات في ديوانه 89 والأغاني 5 / 257 .