عبد القادر السلوي

119

الكوكب الثاقب في أخبار الشعراء وغيرهم من ذوي المناقب

الشرف ، فإذا أنا برجل يرعى غنما ، وإذا هو صاحب الصوت فأعلمته الذي قصد بي إليه ، وسألته إعادته عليّ ، فقال : والله لو كان عندي قرى ما فعلت ، ولكنّي أجعله قراك ، فربما ترنّمت به وأنا جائع فأشبع ، وكسلان فأنشط ، ومستوحش فآنس . قال : فأعاده عليّ مرارا حتى أخذته ، فوالله ما كان لي كلام غيره حتى دخلت المدينة ولقد وجدته كما قال . وعمر هذا هو ابن داود بن زاذان ، وجدّه زاذان مولى عمرو بن عثمان بن عفان ، وكان من المقدّمين في صناعة الغناء ، وممّن له اتّصال تام بالوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان ، وقتل الوليد وهو يغنّيه ، فكان آخر النّاس عهدا به . وكان كثيّر مع أدبه وجودة شعره محمّقا ، فحدّث أبو الفرج الأصبهاني « 1 » عن طلحة بن عبد الله بن عوف أنه حضر كثيّرا وقد سأله الفرزدق بعد كلام دار بينهما تقدم في ترجمة الفرزدق : أكانت أمّك تأتي البصرة ؟ قال : لا ولكن أبي كان كثيرا ما يأتيها . يقول طلحة : والذي نفسي بيده ، لعجبت من كثيّر وجوابه ، وما رأيت أحدا قطّ أحمق منه ، رأيتني دخلت عليه يوما في نفر من قريش ، وكنّا كثيرا ما نتهزّل ، فقلنا : فكيف تجدك يا أبا صخر ؟ فقال : بخير ، ما سمعتم النّاس يقولون شيئا ؟ قلنا : نعم ، سمعناهم يتحدّثون أنّك الدّجال . فقال : والله لئن قلتم ذلك إني لأجد في عيني هذه ضعفا « 2 » منذ أيام . وحكي « 3 » أن عمر بن أبي ربيعة والأحوص ونصيبا نزلوا بطريق مكة فذهب الأحوص لبعض حاجته فبصر بكثيّر وهو بالقرب منهم ، فرجع فأخبر صاحبيه به . فقال عمر : نبعث إليه ليأتينا ، فقال الأحوص : هو والله عند نفسه أكبر من ذلك ، قال : فنسير نحن إليه ، فلما دنوا منه سلّموا عليه ، فلم يتحرّك ولا زاد على ردّ

--> ( 1 ) الأغاني 8 / 96 ، 9 / 341 إلى آخر الحكاية بتصرف . ( 2 ) إشارة إلى قوله صلّى اللّه عليه وسلم « الدجّال أعور عين اليسرى » انظر سنن ابن ماجة 2 / 1353 . ( 3 ) من الكامل 2 / 155 - 157 إلى آخر الخبر بتصرف .