عبد القادر السلوي
94
الكوكب الثاقب في أخبار الشعراء وغيرهم من ذوي المناقب
مات سنة أربع عشرة ومائة ) ، يرحمنا الله إياه . وحكى المبرد عن بعض أصحابه ، قال « 1 » : شهدت رجلا في طريق مكّة معتكفا على قبر ، وهو يردّد بيتا ودموعه تكف « 2 » من لحيته ، فدنوت منه لأسمع ما يقول ، فجعلت العبرة تحول بينه وبين الإبانة ، فقلت له : يا هذا ! فرفع رأسه إليّ ، كأنّما هبّ من رقدة ، فقال : ما تشاء ؟ فقلت له : أعلى أبيك تبكي ؟ قال : لا ، قلت : فعلى ابنك ؟ قال : لا ، ولا على ذي نسب ولا صديق ، ولكن على من هو أخصّ منهما . قال : قلت : أو يكون أحد أخصّ ممّن ذكرت ؟ قال : نعم ، من أخبرك عنه ، إنّ هذا المدفون كان عدوّا لي ، من كلّ باب ، يسعى عليّ في نفسي ومالي وولدي ، فخرج إلى صيد أيأس ما كنت من عطبه ، وأكمل ما كان في صحّته ، فرمى ظبيا ، فأقصده ، فذهب ليأخذه ، فإذا الظّبي ، وهو قد أنفذه حتى نجم سهمه « 3 » من صفحة البطن ، فعثر ، فتلقّى بفؤاده ظبة « 4 » السّهم ، فلحقه أولياؤه ، فانتزعوا السّهم ، فإذا هو والظّبي ميتان ، فنما إليّ خبره ، فأسرعت إلى قبره مغتبطا بفقده ، فإنّي لضاحك السّنّ إذ وقعت عيني على صخرة فرأيت عليها كتابا ، فهلمّ فاقرأه ، وأومأ إلى الصّخرة فإذا عليها : ( الطويل ) وما نحن إلّا مثلهم غير أنّنا * أقمنا قليلا بعدهم وتقدّموا قال ، فقلت : أشهد أنّك تبكي على من بكاؤك عليه أحقّ من النّسب . وترجمة الفرزدق « 5 » [ رحمه الله ] من هذا أوسع ، وفيما ذكرناه منها مقنع والحمد لله على ما ألهم ، وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم « 5 » [ تسليما ] .
--> ( 1 ) الكامل 4 / 93 - 99 إلى آخر الخبر . ( 2 ) وكف الدّمع والماد وكفا ووكيفا : سال ( اللسان : وكف ) . ( 3 ) نجم الشّيء ينجم بالضم نجوما : طلع وظهر . ظبة السّيف : طرفه ( اللسان : ظبب ، نجم ) . ( 4 ) نجم الشّيء ينجم بالضم نجوما : طلع وظهر . ظبة السّيف : طرفه ( اللسان : ظبب ، نجم ) . ( 5 ) زيادة من ج د .