عبد القادر السلوي
13
الكوكب الثاقب في أخبار الشعراء وغيرهم من ذوي المناقب
أن تطلب العلم بالجهل . فقيل له : وكيف نطلب العلم بالجهل ؟ فقال : إذا قصدت العالم في غير وقته ، وتخطّيت الرقاب ، وتركت في طلبه حرمة الشيوخ ، ولم تستعمل في طلبه السكينة والوقار والأدب ، فذلك طلب العلم بالجهل . وهذا إمامنا مالك بن أنس رحمه الله ورضي الله عنه « 1 » ( لمّا ) سأله جرير ابن عبد الحميد « 2 » القاضي عن حديث وهو قائم أمر بحبسه . فقيل له : إنه قاض . فقال : القاضي أحقّ من أدّب . ولمّا سأله هشام بن الغازي « 3 » عن حديث وهو واقف أمر بضربه فضرب « 4 » عشرين سوطا . ثم رقّ له فحدّثه عشرين حديثا . فقال هشام : وددت لو زادني سياطا ويزيدني حديثا . ولمّا مشى معه عبد الرحمن بن مهدي « 5 » يوما إلى العقيق « 6 » ، فسأله عن حديث انتهره وقال له : كنت في عيني أجل من أن تسأل عن حديث رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ونحن نمشي . إلى غير ذلك ممّا جاء عن الأئمة في هذا المعنى مما يفوت الحصر . وللّه درّ أبي عبيدة حيث قال : ما قرعت بابا على عالم قط . وحينئذ ففعل شعبة ، رحمه الله ، لما فعل من تأديب هذا السائل بما ذكر ، صواب . وليت الناس قفوا أثره في ذلك . فما أتى العلماء رحمهم الله إلّا من عدم توقيرهم للعلم وتساهلهم في أمره ، وانتهاكهم لحرمته واستخفافهم بعظيم قدره « 7 » : ( الطويل ) ولو أن أهل العلم صانوه صانهم * ولو عظّموه في النفوس لعظّما ولكن أهانوه فهانوا ، ودنّسوا * محيّاه بالأطماع حتّى تجهّما
--> ( 1 ) ما بين القوسين ساقط من د . ( 2 ) هو محدث الري عالم ثقة ( - 188 ه ) انظر تاريخ بغداد 7 / 253 وميزان الاعتدال 1 / 394 - 396 وتذكرة الحفاظ 1 / 271 - 272 والأعلام 2 / 119 . وانظر الخبر في ترتيب المدارك 2 / 25 ( 3 ) محدث وعابد وإمام مقرئ من دمشق ( - 153 ه ) انظر سير الأعلام 7 / 60 وميزان الاعتدال 4 / 304 . ( 4 ) ج د : أمر بضربه فضرب . أب : ضربه . ( 5 ) العنبري البصري اللؤلؤئي فقيه من كبار حفاظ الحديث ( - 198 ه ) انظر تذكرة الحفاظ 1 / 329 - 332 والأعلام 3 / 339 والخبر في ترتيب المدارك 2 / 25 . ( 6 ) العقيق هو كلّ مسيل ماء شقّه السيل ويقصد عقيق المدينة وفيه عيون ونخل وهو على بعد ليلتين منها . معجم ما استعجم ( 3 / 952 - 953 ) ومعجم البلدان 4 / 138 - 139 . ( 7 ) البيتان للقاضي الجرجاني . من المقطوعة الآتية ، كما ذكر المؤلف ، وهي في معجم الأدباء 14 / 17 - 18 وأغلبها في اليتيمة 4 / 23 والإعجاز 195 وبعضها في كشف الخفاء 2 / 152 والبيت الأول في طبقات الفقهاء 122 والوفيات 3 / 278 قوله : « ولو أن أهل العلم صانوه . . . تضمين للحديث : « لو أن أهل العلم صانوه ووضعوه عند أهله لسادوا به أهل زمانهم ، ولكن بذلوه لأهل الدنيا لينالوا من دنياهم فهانوا على أهلها » انظر كشف الخفاء 2 / 152 .