محمد الحضيكي

مقدمة 8

طبقات الحضيكي

الفكرية ، وتأثيره الجلي على نخبة من مفكري المنطقة . ورغم مكانته المتميزة ، فإنه لم ينل الاهتمام الكبير لدى الباحثين ، إذ لا يعدو ما كتب حوله مجرد معلومات مقتضبة أو إشارات عارضة . ويبدو أن شهرة الحضيكي كثيرا ما ترتبط بمؤلفه المعروف ب " الطبقات " ، وهو كتاب في التراجم ، جمع بين دفتيه أخبار وكرامات عدد كبير من المتصوفة والعلماء من الرجال والنساء ( 823 ترجمة ) من مختلف الطبقات ، اعتمادا على مشاهداته ومروياته ومصادره المكتوبة ، رتب كتابه على القرون ( 10 - 12 ه ) حسب التصنيف الأبجدي ، مرتكزا على التناول الانتقائي للشخصيات المؤثرة في عصرها وذات الصلاح فيه . حظي الكتاب بالتفاتة في بداية هذا القرن ، حيث صدرت طبعة تجارية منه من نفقة المرحوم الأحسن البعقيلي ، إلا أن ما يعاب على النسخة المطبوعة هو عدم خضوعها للتمحيص ، وافتقارها إلى أدنى شروط التحقيق وإخراج النصوص . وفي هذا الإطار كان المرحوم الحسن البونعماني ممن تفطن إلى سلبيات النسخة المطبوعة ، فدعا إلى ضرورة إخراج الكتاب في صيغة مصححة قائلا : « ثم إنه كان ينبغي ممن طبع تاريخ الحضيكي أن لا يطبعه إلا إذا نقّحه تنقيحا خالصا ، وعلق عليه في كل مكان يستحق التعليق ، إذ بذلك تنمو فائدته ( . . . ) » « 1 » . واعتبارا لقصور النسخة المطبوعة ، كثر استنساخ الكتاب وكثر النّسّاخ ، إذ لا تخلو خزانة سوسية من نسخة من الكتاب ، وكثر تداوله بين المهتمين ، مما أدى إلى كثرة التصحيف وعدم الاهتمام بالنسخة الأصلية أو القريبة من عصر المؤلف . ومما زادنا الاقتناع بضرورة تحقيق الكتاب ، أهميته في ما يتضمنه من إشارات وتلميحات تاريخية ، حينما يتعلق الأمر بتراجم شخصيات يجمع بينها الصلاح والعلم ، في مناطق جغرافية مختلفة ، عبر فترات زمنية متباعدة . كما يبرز الكتاب درجة استيعاب علماء سوس لمفهوم التاريخ من خلال تسجيل وحفظ أخبار عينات مختارة من رجالات التصوف والفكر . ويمكن الالتفات إلى تجربة الحضيكي من خلال ما تعكسه من تصور للفقيه الصوفي ، وكيف ينظر إلى الفعل التاريخي ، في فترة متميزة بالتقلب والاضطراب السياسي ، باعتباره تعبيرا عن العقلية السائدة في عصره ، من زاوية شخصية مشبعة بالطريقة الناصرية في وسط قروي متوغل في جبال الأطلس الصغير .

--> ( 1 ) جريدة السعادة ، عدد 4623 ، سنة 1938 .