محمد الحضيكي
213
طبقات الحضيكي
من ذلك أني كنت قدمت بلدنا مرة من السفر ، فرأيت أن إمام المسجد يتساهل في ما لزمه من تعليم الصبيان وغيره ، وهو من أشياخنا قبل « 1 » ، وكان من الصالحين لا قدح فيه ، فسولت لي نفسي أن أجمع خلفه جمعا صوريا ، فكنت أنوي صلاة منفرد ، أكبّر إذا كبّر ، وأركع إذا ركع ، وأسجد إذا سجد ، وأسلّم إذا / سلّم ، وأقرأ سرا ، وآتي بجميع أركانها على صورة المقتدي ، فبعثت إلي من الغد فقالت : إن والدتك تقرئك السلام ، وتقول لك : صل بالإمام ، وأحسن ظنك به ، ولا تفرد صلاتك . ومن ذلك أيضا أني قدمت البلد مرة [ أخرى ] أمن السفر وفي البلد فقراء « 2 » شيوخ كبار السن ، يأتون المسجد خارج البلد بعيد عنه وقت الضحى ، يقيلون وينتظرون وقت الصلاة ، فكنت آتيهم وأسرد لهم بعض صفات الجنة وأهلها ونعيمها من " العلوم الفاخرة " « 3 » للإمام الثعالبي ، فيفرحون بذلك فرحا شديدا ، وإذا أبطأت عنهم تأسفوا ، فبعثت إلي أيضا تقول : إن والدتك تقرئك السلام ، وتقول لك كذلك : افعل ولازم وداوم على ذلك العمل ، وفرح الناس ، وبشرهم بنعيم ربهم ، وحبب إليهم ربهم ونعيمه وكرمه . وكان أولئك الفقراء إذا سمعوا أوصاف الجنة وما أكرمهم اللّه به من أنواع نعيمه ، طربوا ونشطوا وفرحوا فرحا شديدا ، كادوا يطيرون بحب ربهم وكرمه ، ويحملهم ذلك على زيادة الخدمة والتقرب إلى اللّه تعالى ، وذلك مصدوق قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « يسروا ولا تعسروا ، وبشروا ولا تنفروا » « 4 » ، إلى غير ذلك مما يطول سرده . وكانت - رضي اللّه عنها - معتنية بنا ، ربما ترعى وتنظر في أمورنا ، وترانا حيثما كنا في بلاد الأرض بعيدة أو قريبة . وقد كنت في سفرنا لبلاد المشرق لما أشرفنا على المدينة المشرفة على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام ، راكبا على ناقة فتذكرت قول
--> ( أ ) ساقط من ك وح . ( 1 ) يقصد به عبد اللّه بن إبراهيم الكرسيفي ، وعنه أخذ الحضيكي المبادئ الأولى للقراءة والكتابة . ( انظر : الحضيكيون : 1 ، رجالات : 71 ) . ( 2 ) أشخاص ينتمون إلى كل الطرق الصوفية الموجودة آنذاك ، وكانوا يتجولون في المنطقة جماعات لزيارة الزوايا والرباطات ، كما يجتمعون في مواسم ومواضع للعبادة والإرشاد ، وذلك حسب جدول زمني معلوم لديهم . ( 3 ) عنوانه الكامل : " العلوم الفاخرة في النظر في أمور الآخرة " ، لعبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي ، طبع بمصر ، المطبعة الحميدية ، 1317 ه ، في 175 صفحة . ( 4 ) رواه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد في مسنده . ( صحيح مسلم : 3 / 1358 ) .