محمد الحضيكي
210
طبقات الحضيكي
وكان - رضي اللّه عنه - حقق اللّه له ذلك ، وأجاب دعاء الأستاذ فيه ، قد انتفع به سائر الآفاق وتفقه به من لا يحصون كثرة ، وأقبلت عليه الطلبة للأخذ عنه من كل وجه ، ودرس في الزاوية البكرية حتى استولى عليها السلطان الرشيد ، وثلّها - أي هدمها - عام تسعة [ وسبعين ] أو ألف ، فرحل لفاس وتصدر فيه للتدريس ، وأقبل عليه الناس وازدحموا عليه ، وتخلف عنه بعض الحسدة ، حتى إنه سحر الشيخ - رضي اللّه عنه - إذا جلس على كرسي تدريسه أخذه صداع شديد ، وإذا قام زال عنه ذلك . وكان - رضي اللّه عنه - بحرا في العلوم العقلية والمواهب اللدنية ، / والحكم الربانية ، فهو سعد الدين التفتازاني والجرجراني « 1 » لزمانه ، بحيث يقبل ويرد من كلامهم . وسأله يوما سائل في درسه عن مسألة ، فقال له : اسمع ما لم تسمعه من إنسان ، ولا تجده محررا في ديوان ، ولا تراه مسطرا ببنان ، وإنما هو من مواهب الرحمن . ولما تصدر للتفسير بجامع الأشراف « 2 » بمراكش مكث في تفسير الفاتحة قريبا من ثلاثة أشهر ، يبدي في كل يوم أسلوبا [ وتحريرات ] ب عجيبة ، فتعجب الناس لحسن إلقائه ، وليس ذلك من مطالعة كتب التفسير ، بل ربما بات عند ضريح بعض الأولياء ما طالع كتابا ولا راجع كلاما ، فيصبح ويلقي من العلوم ما يبهر العقول ، ويحير الألباب والأذهان ، و فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ « 3 » . وبالجملة ، فهو - رضي اللّه عنه - خاتمة العلماء وآخرهم ، حتى قيل إنه المجدد على رأس هذه المائة ، بعثه اللّه مجددا للدين ، وناصرا للإسلام . وقال فيه أبو سالم العياشي : من فاته الحسن البصريّ يصحبه * فليصحب الحسن اليوسيّ يكفيه « 4 » قال : وكتب إليّ الإمام العلامة أبو عبد اللّه محمد بن سعيد السوسي بأبيات يذكر فيها أنه على عقد المحبة ، وفي آخرها :
--> ( أ ) م ، ك : وتسعين . ( ب ) س ، ت : تحريات . ( 1 ) علي بن محمد الجرجراني الحنفي ، عالم مشارك في أنواع العلوم ، توفي 816 ه / 1413 م . ( انظر : معجم كحالة : 7 / 216 ، بغية الوعاة : 351 ، هدية العارفين : 728 ) . ( 2 ) أنشأه الغالب باللّه السعدي بحومة المواسين سنة 970 ه / 1563 م . ( انظر : الاستقصاء : 5 / 39 ، الحركة الفكرية : 376 ) . ( 3 ) الحديد : 21 . ( 4 ) من البسيط .