محمد الحضيكي

174

طبقات الحضيكي

قال أبو علي اليوسي : وكان يحدثنا عن بدء أمره في طلب العلم ، فدل على متانة ديانته و [ ثباته ] أ ، وزهده في حطام الدنيا . قال : سافرت إلى مدينة فاس [ وأنا شاب ] ب فدخلتها وليس معي نفقة ، فعثرت على أناس من أهل بلادنا في فندق ، فجعلوا لي أن أتعشى عندهم ، ثم أبقى إلى مثل ذلك الوقت ، ولم أزل على ذلك نحو الشهر . قال : ولم أزل أندم على أن لم أنو صيامها مع أني لم آكل إلا من الليل بليل . قال : ثم رأيت عندهم منكرا ، فعظم علي أن أشاهد المنكر وأن أفارقهم وليس لي قوت ، ثم قوي عزمي على فراقهم ، ودخلت المسجد والمحراب وحلفت لا رجعت إليهم . ولما فارقتهم فتح علي برزقي من حيث لا أحتسب . قال : وبينما أنا ذات يوم في البيت إذ دخل علي محمد بن يوسف الفلالي في أطمار رثة ، وحالة كريهة ، وكان من أهل الديانة ، قال : فقلت : سبحان اللّه ! إن صاحب الدين لا يبلغ مثل هذه الحالة ، فما شأن هذا الرجل ؟ قال : فإذا هو أخرج من تحته مزودا مملوءا بدنانير ، فأفرغه بين يديه ، فقلت له : ما هذا ؟ قال : هذا الذهب عملناه بالتدبير ، فجئت به لأصرفه ، / وتنتفع به معي ، قال : فقلت له : انصرف بذهبك فلا حاجة لي به . قال أبو علي : أخذت عنه - رضي اللّه عنه - عدة من الكتب ، ووقعت لي معه غريبة حين كنت أقرأ عليه " الخلاصة " ، وذلك أني كنت أجلس إلى جنبه ، ولم يكن تقدّم لي شيء فيها ولا في غيرها ، وإنما محبة العلم حملتني على المواظبة على المجلس ، فلم أكن أفهم إلا القليل حتى بلغنا نصف الكتاب . فاتفق لبعض م كان يجلس بين يديه من الطلبة أن تأخر عن المجلس ، فجلست في مكانه ، فمن ذلك اليوم فتح اللّه لي بالفهم فتحا ظاهرا ، وقضيت العجب من بعد ما بين الحالين ، وعلمت أن الآداب المقررة من تحري الجلوس بين يدي المعلم وغير ذلك هو مجمع البركات ، وانتهى . وفي " فتوحات ابن عربي " « 1 » : إن الفتح يسرع في بعض الأمكنة بالخاصية .

--> ( أ ) ساقط من ك ، س . ( ب ) ساقط من ك ، س . ( 1 ) " الفتوحات المكية في معرفة أسرار المالكية والملكية " ، انتهى من تأليفه سنة 629 ه / 1232 م . ( راجع كشف الظنون : 2 / 123 ، وهو لمحمد بن محمد بن عربي أبي بكر الحاتمي المعروف بمحيي الدين ، متصوف أندلسي ، قام بزيارة الشرق حيث استقر بدمشق ، وبها توفي سنة 638 ه / 1241 م . ( انظر : الجذوة : 175 ، جامع كرامات الأولياء : 1 / 118 ، الأعلام للزركلي : 6 / 281 ) .