محمد الحضيكي

154

طبقات الحضيكي

وكان - رضي اللّه عنه - يحب العزلة ويهرب من الناس ، ويقول : جانبا جانبا تجد اللّه صاحبا ، قارب قارب تجد الناس عقارب ، اللّه يبغض لنا الدنيا وأهلها . ويقول : واش علي من الناس ؟ واش على الناس مني ؟ القبر محفور بالفأس . والذي فات من عمري [ ما يولي ] أ ، وإن كان البدلاء أربعة : العزلة ، والصمت ، والسهر ، والجوع . وكان - رضي اللّه عنه - يقول : إذا كان يوم القيامة تسابق الزبانية إلى الفساق من أهل القرآن ، فيقولون : يبدأ بنا قبل عبدة الأوثان ، فيقال لهم : ليس من يعلم كمن لا يعلم . وكان - رضي اللّه عنه - يقول : إن اللّه تبارك وتعالى قسم العقل على الخلائق ، منهم من أعطاه اللّه أوقية ، ومنهم من أعطاه أوقيتين ، وبعضهم أواق ، ومنهم من أعطاه قنطارين ، ومنهم من أعطاه اللّه قناطير . وكان - رضي اللّه عنه - يقول : حمل البعير لا يحمله القط ، وحمل القط لا يحس به البعير ، كذلك قلوب الغافلين لا يحملون المعرفة « 1 » ولا يقدرون عليها ولا يرومونها ، وقلوب العارفين لا يحسون ولا يعبئون بغير اللّه ؛ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ « 2 » . وكان - رضي اللّه عنه - يقول : / قال بعض الأولياء : أنقّي قلبي من النفاق وينبت فيه كما ينبت الربيع في الماء . ويقول رضي اللّه عنه : قال الشيخ - يعني سيدي أحمد بن يوسف الراشدي - : ما بلغنا هذا بكثرة الصيام ولا بكثرة القيام ، وإنما هو بسلامة الصدر وسخاوة النفس . وكان - رضي اللّه عنه - يقول لنا : ليس حسن الخلق بكثرة الضحك ، إنما هو أن تصل من قطعك ، وتكلّم من هجرك ، وتعفو عمّن ظلمك ، وتطعم من حرمك . وكان - رضي اللّه عنه - يعظ الفقراء بقوله تعالى : وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ، وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ « 3 » ، ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ ، وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ « 4 » . وكان رضي اللّه عنه يقول : ليس الشأن كف الأذى وإنما الشأن حمل الأذى ، فكف الأذى فرض على كل أحد أن يكف أذاه عن الناس ، وإنما الشأن عند أهل اللّه تحمّل الأذى .

--> ( أ ) م : يوفى . ( 1 ) « التمكن من المشاهدة واتصالها ، فهي شهود دائم بقلب هائم » . ( انظر معراج التشوف : 31 ) . ( 2 ) الأنعام : 91 . ( 3 ) الزمر : 45 . ( 4 ) غافر : 12 .