محمد الحضيكي

97

طبقات الحضيكي

وكان - رضي اللّه عنه - رتب مجلسا للفقراء بين العشاءين للتعليم [ والذكر ] أو الوعظ ، لا يتخلف عنه أحد ممن ساكنه وجاوره من الرجال والنساء إلا لعذر من مرض أو غيبة أو أمر لا بد منه ، والنساء حيث يسمعن من وراء حجاب ، وعلى الرجال نقيبهم يرعاهم ، وعلى النساء منهن كذلك ، وعلى طلبة المدرسة نقيبهم : * وكلّ لما تولّى إزاء * « 1 » . فمن خالف وأساء من جميع الفرق عزره نقيبه ، فإن تاب ورجع عن إساءته أقره ، وإلا أخرجه من البلاد . وكان - رضي اللّه عنه - منع الكل من الاجتماع والتحدث والبطالة ، إلا على ذكر اللّه ، أو تعلّم علم ، أو استفادة فائدة ، وما ألجأت الضرورة إليه من أمور دنياه أو ضرورياته ، يسأل صاحبه قائما حيث لقيه ، ولا يجلس معه للفضول من الأخبار . وكان - رضي اللّه عنه - لحرصه على إحياء السنة والدين غوّاصا في أموره ، فطنا نبيها لدسائس النفوس ، ومكر الشياطين وما استرقوه من الدين وأسرّوه ، وأضلوا عنه العباد ، وغطوه بالتمويه ، فانتبه - رضي اللّه عنه - له ؛ فمن ذلك قراءة الناس بالوقف الهبطي « 2 » " القرآن العظيم " كتاب ربهم وكلامه وأصل دينه ، قد عمد الشيطان - لعنه اللّه - لذلك ، فصرفهم عن تجويده الواجب المتعين ، والترتيل الذي أمر اللّه به والتدبر فيه ، والتخشع والسكينة على كل قارئ لكتاب اللّه ، ووعد عليه الكريم سبحانه جزيل الثواب والنعيم المقيم ، فمكر الشيطان الرجيم واحتال على الناس / حتى منعهم من ذلك ، وأوقعهم في المحظور الواضح ، والحرام الصريح ، والمعصية الكبيرة ، عياذا باللّه من قصر الممدود ، ومد المقصور ، وإسقاط الحروف والحركات وتبديلها وتغييرها وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ « 3 » .

--> ( أ ) م ، ك : التذكير . ( 1 ) من همزية البوصيري . ( 2 ) يراد به في اصطلاح القراء : السكوت آخر الكلمة ، ونظرا لحاجة الطلبة إلى أوقاف معينة تعينهم على تنظيم أصواتهم ، وذكر الكلمات التي يوقف عليها ، ألف الهبطي تقييدا في وقف القرآن . وما زالت هذه الطريقة هي السائدة لدى القراء . ( انظر تفاصيل ذلك في مقدمة تحقيق " تقييد القرآن الكريم " للأستاذ الحسن أحمد وكاك ، الطبعة الأولى 1991 ، الحركة الفكرية : 140 ) . والمقصود بالهبطي هنا هو محمد بن أبي جمعة الصماتي ، أستاذ مقرئ ، تلميذ ابن غازي ، توفي بمدينة فاس 930 ه / 1524 م . ( انظر السلوة : 3 / 67 ) . ( 3 ) الأنعام : 47 .