محمد الحضيكي
67
طبقات الحضيكي
وكان في ما بلغني أن ورده من صلاة الصبح إلى بعد طلوع الشمس سبعون ألفا من الهيللة ، وما رأيت أخف منه قراءة ولا ذكرا ولا صلاة في إتمام . وكان لا يفتر يده عند القراءة في الكتب من قلب الأوراق ، كلما نظر نظرة أو نظرتين قلب ورقة . ويقول : صلاة الأبدال خفيفة في إتمام ، ومن جاهد نفسه وترك النعاس / ليله سنة تعوّد السهر ، وعزّت الحيلة في وجوده ، ومن بلغ في رياضته ومأكله زنة البيضة زالت عنه الشهوة . وكانوا - رضي اللّه عنهم - لا يركبون إلا الحمير ، وكانوا أصحاب غيرة شديدة لا يقبلون أن يعرف صاحبهم غيرهم ، فمن فعل ذلك كسروه في حينه ، ويأمرون بوعظ من خالف الطريق من إخواننا الفقراء ومهاجرته حتى يرجع من غير أن ينبذ أو يطرح ، ووردهم من " دلائل الخيرات " الثلث كل يوم وختمه يوم الجمعة ، ومن المصحف خمسة أحزاب ، ومن " التنبيه " لا أدري . ويحكى عن سيدي أحمد الربع لكل يوم ، وفيما بين المغرب والعشاء الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وفي " ابن عباد " لهم كل يوم ورد معدود ، ومائة من الاستغفار دبر كل صلاة من الخمس ، ومائة من الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه وسلم مشهور عندهم كذلك « 1 » . وكانوا رضوان اللّه عليهم لا يقبلون من هدايا الولاة والعمال ومن يتعاطى الشبهات شيئا . وقد قيل للشيخ الأكبر سيدي عبد اللّه - رضي اللّه عنه - في أخذه وتفريقه على شديد الحاجة والاضطراب ، فقال : أي ضرورة تلجئني إلى تلطيخ يدي بالعذرة ؟ وكان بي فتق فوق سرتي أمرضني وهالني أمره ، فأتيته وأعريت له بطني ، وقلت له : يا سيدي ومولاي ، انظر إلى دائي ، فمسح عليه بيده ودعا لي ، فما أحسست به وجعا قط إلى الآن ، وقد مضى لذلك نحو سبع وخمسين سنة . وأسهرني مرة ليالي عديدة وجع بعيني ، فأتيته فنفث في سبابته رضي اللّه عنه ، فألصقها بالتراب فمسح بها عيني ، فذهب الوجع من حينه بكليته كأن لم يكن قط . وكان بعض أعيان فشتالة « 2 » تعود التجارة لدرعة يتجر في الغنم وينزل بالزاوية عند
--> ( 1 ) إلى جانب الاعتماد على الهيللة باعتبارها عمادا للذكر ، وعدم إلزامية الترتيب المشار إليه ، فالطريقة الناصرية تعتمد بساطة الورد وسهولة تأديته ، ومراعاة أحوال الناس بما يناسب الوسط القروي الذي يعيش فيه عامة المريدين ، وهذا ما يفسر الإقبال الذي عرفته الطريقة في عدة مناطق داخل المغرب أو خارجه . ( راجع الدرر المرصعة : 336 ، الدرة الجليلة : 324 ، المعسول : 5 / 57 ) . ( 2 ) تعريب لكلمة إيفشتالن ، وهي قرية تقع شمال شرق بني ملال على بعد 15 كلم منها . ( انظر التشوف : 259 ، الهامش رقم : 644 ) .