محمد الحضيكي

8

طبقات الحضيكي

وكان - رضي اللّه عنه - في مجلسه يوما ، إذ جاءه رجلان فقالا : الحمد للّه ، هنيئا لنا إذ بلغنا إليك ونظرنا إلى وجهك . فقال لهما : هذا أحمد ، ومن أين أنتما ؟ فقالا له : من المشرق الأقصى ، كان لنا شيخ ببلدنا فأتيناه يوما نزوره ، فقال لنا : إن كنتم تقدرون على الزيارة أريكم من تزورون . فقلنا له : نعم ، فقال : سيدي أحمد بن موسى بالمغرب الأقصى ، فتجهزنا إليك نسأل عنك حتى انتهينا إليك ، فطابت أنفسنا ، وقرّت أعيننا بالوصول إليك . ثم قال لهما : كم في مشرقكم الأقصى من قصر ؟ فقالا : لا نعلم نهايتها . فقال : إني أخبركما بما فيه ، فيه ألف قصر وقصر واحد . فقال : أتعرفان القصر الذي على واد فيه نخلتان : إحداهما في حافة ، والأخرى في حافته الأخرى ، تلتقيان في كل سنة يوما إلى الليل ، فتفترقان إلى مثل ذلك اليوم بعينه من السنة الأخرى ، وذلك دأبهما دائما ؟ فقالا له : ذلك بلدنا ! فقال لهما : أتعرفان سبب ذلك ؟ فقالا : لا ، فقال : إني أخبركما ؛ كان ولي من الأولياء وزوجته في قرية ، وانفردا بالعبادة عن أهلها ، ثم قال الزوج لزوجته : لا نستطيع البقاء بأمر على هذه القرية مع ضلالة أهلها ، فإن شئت تستوفين حقك مني وتلحقين بأهلك فعلت . فقالت له : العشرة إن كانت للّه لم يحسن خلافها . فخرجا منها نحو ساحل البحر فأسرهما العدو ، فصار / كل واحد منهما لغير جهة صاحبه ، فمكثت الزوجة عند صاحبها سنة ، فرأى منها برهانا فأعتقها وردّها لبلد الإسلام ، وبقي الزوج عند صاحبه سنة ، فرأى منه برهانا فأعتقه وردّه لموضع الزوجة ، فأخبر بأمرها ، فأخرجه من المرساة التي أخرجت منها ، فمشى لأول قرية الإسلام يطلبها ، فأذّن فيها فلم يجدها ، فانتقل للتي تليها فأذّن فيها فسمعت أذانه - وكانت تعرفه - فأرسلت إليه غلاما يسأل لها ، فقال له الغلام : هنا امرأة تسأل عنك ، فقال له : ارجع تعرّفك باسمها ، ففعل . فقالت له : بل حتى يعرّفك هو باسمه ، فعرّفه باسمه ، وعرّفته باسمها ، فتعارفا ، فخرج كل منهما لصاحبه ، فالتقيا تحت تلك النخلتين وتعانقا ، وشهق كل منهما شهقة فارق بها الدنيا ، فافترقا على محبة اللّه تعالى كما اجتمعا عليها ، فرفعا معا لسدرة المنتهى ؛ فذلك السبب في معانقتهما ، فإذا جاء اليوم الذي تعانقا فيه وماتا فيه تعانقا بقدرة اللّه تعالى . فقالا له : اكتب لنا ذلك يا سيدي ، فقال لهما : نعم ، إن شاء اللّه تعالى . وكان رضي اللّه عنه في ابتداء أمره أنه قال : كنا نلعب الكرة ، إذ طلع علينا شيخ كبير « 1 » على رأسه قفة تين ، فقال لنا : معشر الأحداث ، من يرفع عني هذه القفة رفع اللّه مقامه فوق

--> ( 1 ) وقع اختلاف في اسم الشيخ فأذفال في " مناقبه " ، يسميه محمد الوجاني ، بينما يرى البعض الآخر أنه يقصد به إبراهيم بن علي الإغشاني . ( راجع حول الموضوع طبقات الحضيكي : 124 ، المعسول : 12 / 7 ) .