حسن الأمين
45
الإسماعيليون والمغول ونصير الدين الطوسي
قشورا لا لباب فيها ، وأنهم حصروا العلم بالفقه والحديث وحدهما ، وحرموا ما عداهما من سائر صنوف المعرفة التي حث عليها الدين العظيم ، وانصرفوا عن العلوم العملية انصرافا تاما . فأعلن افتتاح مدارس لكل من الفقه ، والحديث ، والطب ، والفلسفة ، وأنه سيتولى الإنفاق على طلاب هذه المدارس ، ولكنه سيجعل لكل واحد من دارسي الفلسفة ثلاثة دراهم يوميا ، ولكل واحد من دارسي الطب درهمين ، ولكل واحد من دارسي الفقه درهما ، ولكل واحد من دارسي الحديث نصف درهم ، فأقبل الناس على معاهد الفلسفة والطب ، بعد ما كانت من قبل تدرس سرا . أحرز نصير الدين النصر الأول في معارك الإسلام ، فالعلم لن ينقطع بعد اليوم ، ولن يجمد المسلمون عن طلبه ، ثم انصرف يخطط للمعركة الكبرى الكاسحة . فإذا كان إنشاء المدارس المتفرقة لن يلفت هولاكو إليها ، ولن يدرك أهميتها ، فإن إنشاء الجامعة الكبرى وحشد العلماء فيها وحشر الكتب في خزانتها ، سيكون حتما منبها لهولاكو فكيف العمل ؟ هنا تبدو براعة الطوسي ، فهولاكو استبقاه لغاية معينة ، فراح يقنع هولاكو بأنه من أجل استمراره في عمله والاستفادة من مواهبه لا بد من إنشاء مرصد كبير ، فوافق هولاكو على إنشاء المرصد الكبير ، وفوض لنصير الدين المباشرة بالعمل . لقد كانت هذه الموافقة الحلم الأكبر الذي حققته الأيام لنصير الدين ، وبات بعدها مستريحا للمستقبل لا يشغله شئ إلا الإعداد الدقيق والتخطيط السليم الموصل إلى الغاية القصوى " ( 1 ) . ضخم نصير الدين أمر المرصد لهولاكو وأقنعه أنه وحده أعجز من أن يرفع
--> ( 1 ) يقول المستشرق روندلسن : " ثم اقترح الطوسي في مراغة على هولاكو : أن القائد المنتصر يجب أن لا يقنع بالتخريب فقط ، فأدرك المغولي المغزى وخوله بناء مرصد عظيم على تل شمالي مراغة ، وتم هذا العمل في 12 سنة . وجمع خلال ذلك الزيج الذي أتمه بعد وفاة هولاكو وهو الزيج الايلخاني . وقد أظهر خطأ أربعين دقيقة في موضع الشمس في أول السنة على حساب الأزياج السابقة ، وجمع مكتبة عظيمة ضم إليها ما نهب من الكتب في بغداد " .