يوسف بن يحيى الصنعاني
219
نسمة السحر بذكر مَن تشيع وشعر
المصدّق ، وبعده ابنه محمد الحبيب ، وكانوا أهل غلوّ في هؤلاء الأئمة ، وكان محمد بن جعفر يؤمل أن تصير له دولة ، وكان من دعاته أبو عبد اللّه الحسين بن زكريا الشيعي من أهل صنعاء اليمن وهو أحد رجال الدهر المشاهير ، فسيّره إلى المغرب فلقي كتامة ودعاهم إليه ، فأجابوه وعظمت دعوته ، فلمّا مات محمّد عهد لولده عبيد اللّه وذلك في خلافة المكتفي ، وكان بعسكر مكرم فهرب إلى الشام ثمّ إلى المغرب فانتظم أمره « 1 » . قال المقريزي : لما مات المنصور باللّه إسماعيل بن القائم بالمنصورية استخلف ولده المعزّ وعمره أربع وعشرين سنة ، فانقاد له البربر وأحسن إليهم ، فعظم أمره واختصّ من مواليه بجوهر وكنّاه بأبي الحسن ، وأعلى شأنه وقدره وعقد له على جيش كثيف فيهم الأمير زيزي بن مناد الصنهاجي ، فسار الأمير أبو الحسن جوهر ودوّخ المغرب ، وافتتح مدنا وقهر عدّة أكابر وأسرهم حتى انتهى إلى البحر المحيط ، فأمر باصطياد سمكة منه وسيّرها في قلّة من أصحابه إشارة إلى أنه ملك سكان البحر المحيط ، الذي لا عمارة بعده ، ثم قدم غانما مظفّرا فعظم قدره عند المعزّ ، واستدعى المعزّ في يوم شات عدّة من شيوخ كتامة فدخلوا عليه في مجلس قد فرش باللبود ، وعليه جبّة وحوله أبواب مفتحة تفضي إلى خزائن كتبه ، وبين يديه دواة وكتب ، وقال : يا إخواننا أصبحت اليوم في مثل هذا البرد والشتاء فقلت لأم الأمراء وإنّها الآن لتسمع كلامي : أترى أين إخواننا يظنون أنا في مثل هذا اليوم نأكل ونشرب ونتقلّب في المثقّل والديباج والحرير والسمور والمسك والخمر والغناء ، كما يفعل أرباب الدنيا ثم رأيت أن أنفذ إليكم فأحضرتكم لتشاهدوا حالي إذا خلوت دونكم ، واحتجبت عنكم ، وإني لا أفضلكم في أحوالكم إلّا فيما لا بدّ لي منه من دنياكم ، وما خصّني اللّه به من إمامتكم ، وإني مشغول بكتب ترد عليّ من المشرق والمغرب أجيب عنها بخطّي ، وإنّي لا أشتغل بشيء من ملاذّ الدنيا إلّا بما يصون أموالكم وأرواحكم ، ويعمر بلادكم ويذلّ أعداءكم ، ويدفع أضراركم ، فافعلوا يا شيوخ في خلواتكم مثلما أفعله ولا تظهروا التكبر والتجبّر فينزع اللّه النعمة عنكم ، وينقلها إلى غيركم ، وتحنّنوا على من وراءكم ممن لا يصل إليّ كتحنّني عليكم ، يستطيل في الناس الجميل ، ويكثر الخير والعدل ، وأقبلوا بعدها على نسائكم ، وألزموا الواحدة التي تكون لكم ،
--> ( 1 ) الخطط المقريزية 151 - 152 .