يوسف بن يحيى الصنعاني
111
نسمة السحر بذكر مَن تشيع وشعر
وهو يقول : لعمري لقد عرّض عرضه من عرضه لقول الخزاعي دعبل : خليليّ ماذا أرتجي من هوى امرئ * طوى الكشح عنّي اليوم وهو مكين وإن امرئ قد ظنّ عني بمنطق * يسدّ به من خلتي لظنين « 1 » فانبرى أحمد بن أبي داود كأنما أنشط من عقال يسأله في رجل من أهل اليمامة ، فأطنب وأسهب ، وذهب به القول كل مذهب ، فقال له الواثق : يا أبا عبد اللّه لقد أكثرت في غير كثير ولا طيب ، فقال : يا أمير المؤمنين إنه صديقي وأهون ما يعطي الصديق صديقه أن يتكلم . فقال الواثق : وما قدر اليمامي أن يكون صديقك ، وإنما أحسب أن يكون من عرض معارفك ، فقال : يا أمير المؤمنين أنه شهرني بالاستشفاع إليك وجعلني بمرأى ومسمع من الرد والأصغاء ، فإن لم أقم له هذا المقام كنت كما قال أمير المؤمنين ، وأنشد البيتين ، فقال الواثق : يا محمد بن عبد الملك ، باللّه إلّا ما عجّلت لأبي عبد اللّه حاجته ليسلم من هجنة المطل كما سلم من هجنة الرد . وكان دعبل يقول : من فضل الشاعر أن يستحسن منه ما يستقبح من غيره الكذب ، وكلما زاد كذبه زاد استحسانه ، ثم لا يكفيه ذلك إلّا بقول السامع : أحسنت واللّه ، فلا يشهد له شهادة إلّا ومعها يمين . ومن أخباره ما رواه بعض أصحابه قال : أخبرنا دعبل ، قال : كنا يوما عند سهل بن هارون الكاتب ، وكان مشهورا بالبخل ، فأطلنا الحديث فاضطره الجوع إلى أن دعا بغدائه ، فأتي بقصعة فيها ديك هرم لا تعمل فيه سكين ، ولا يؤثر فيه ضرس ، فأخذ قطعة خبز فخاض بها مرقته ، وقلّب جميع ما في القصعة ففقه الرأس فبقي مطرقا ساعة ثم رفع رأسه فقال للطباخ : أين الرأس ؟ قال : رميت به ، قال : ولم فعلت ؟ قال : ظننت أنك لا تأكله ، قال : بئسما ظننت ، ويحك واللّه إني لأمقت من يرمي برجليه ، كيف من يرمي برأسه ، أما علمت أن الرأس رئيس وفيه الحواس الأربع ، ومنه يصيح ، ولولا صوته لما فضّل ، وفيه عرفه الذي يتبرك به ، وعيناه وبهما يضرب المثل فيقال شراب كعين الديك ، ودماغه عجيب لوجع الكليتين ، ولم ير عظم أهشّ من عظم رأسه ، أو ما علمت أنه خير من طرف
--> ( 1 ) الأغاني 20 / 134 .