يوسف بن يحيى الصنعاني

104

نسمة السحر بذكر مَن تشيع وشعر

السيّارة من النجوم ، وأنا لا أقدر أن أنهض ولا أقوم ، لعارض تحكّم في الأعصاب منع قوائمي من حركة الانتصاب ، وكان والدي رئيس قرية سيدي حبيب النجار ، وله كرم خير وطيب نجار ، فاتخذ قرب مزار سيدي حبيب رباطا للواردين وبنى فيه حجرات للفقراء المجاورين ، ورتّب لها في كل صباح من الطعام ، ما يحمله إليها بعض الخدّام ، وكنت أحمل كل يوم إلى صحن الرباط فأقيم فيه سحابة يومي ، وأحمل إلى منزل والدي عند نومي ، وكنت إذ ذاك حفظت القرآن ، وكفيت مقدمات تثقيف اللسان ، وأنا لا أفتر في تلك الحال عن مناجاة قيّم العالم في سرّي ، ومبدع الكل فيما إليه تؤول عاقبة أمري ، فبينا أنا كذلك إذ برجل جاء من أقصى المدينة يسعى كأنه ينشد ضالّة أو أضلّ المسعى ، فنزل من الرباط بساحته ، ونفض فيه أثواب سياحته ، فإذا هو من أفاضل العجم ذو قدر منيف ، يدعى بمحمد شريف ، فبعد أن ألقى فيه عصى التسيار ، وكان لا يألف منزلا كالقمر السيّار ، استأذنه بعض المجاورين في القراءة عليه ، وابتدىء في بعض العلوم الإلهية فكنت أسابقه إليه ، فلما رأى مني ما رأى استخبر من هناك عني فأجبته ولم يكن غير الدمع سائلا ومجيبا ، فعند ذلك اصطنع لي دهنا مسّدني به في حرّ الشمس ولفّني بلفافة من قرني إلى قدمي ، حتى كدت أفقد عنده الحسّ ، وتكرر ذلك منه مرارا من غير فاصل ، فتمشت الحرارة الغريزية كالحميّا في المفاصل ، فعندها شدّ من وثاقي ، وفصدني في عضدي وساقي ، فقمت بقدرة الواحد الأحد بنفسي لا بمعونة أحد ، ودخلت المنزل على والدي فلم يتمالك سرورا ، وانقلب إلى أهله مسرورا ، وضمّني إلى صدره وسألني عن حالي فحدّثته بحقيقة ما جرى ، فمشى من وقته إلى الأستاذ ودخل حجرته وشكر سعيه ، وأجزل عطيته ، فقبل منه شكره واستعفاه برّه ، وقال : إنما فعلت لما رأيت منه من الهيئة الاستعدادية ، لقبول ما يلقى إليه من العلوم الحقيقية ، فابتدأت عليه بقراءة المنطق ، ثم اتبعته بالرياضي ثم شرعت في الطبيعي ، فلما أكملت اشرأبت نفسي لتعلم اللغة الفارسية فقال : يا بني إنها سهلة لكل أحد ، ولكني أفيدك اللغة اليونانية ، فإني لا أعلم الآن على وجه الأرض من يعلمها غيري ، فأخذتها عنه وأنا الآن بحمد اللّه فيها كهو إذ ذاك ، ثم ما برح أن سار يطوي المنازل لدياره ، وانقطعت عني بعد ذاك سيّارة أخباره . ثم ساق رحلته وما جرى له وليس القصد إلّا إيراد طريقته في الإنشاء .