يوسف بن يحيى الصنعاني
140
نسمة السحر بذكر مَن تشيع وشعر
وكان شجاعا أديبا ، فلما تسلّط محمود على ملوك الإقليم كتب إليه أنه يقيم له الخطبة في مملكته فأبت عليه سؤرة الشباب وعزّة الملك ، وأجاب أقبح جواب ، فجهّز إليه محمود الجيوش العظيمة من الفراغنة « 1 » والهنود والخراسانية فحاربوه فظهرت شهامته وقتل منهم الكثير في تلك العقاب ، ثم حصروه أخيرا في حصنه السامي واستولى الحصار على ذخيرته بعد فناء رجاله وأسروه ، وأرسل محمود غلاما يثق به ليسيّر غرشستان إليه ، فلما وصل الغلام إلى الملك لم يحترمه كما ينبغي ، فحقد عليه ، واتفق أن الغلام كانت له زوجة بغزنة فأحب أن يكتب إليها ويبشرها بسلامته ولم يجد كاتبا في الحال إلّا الملك الأسير ، فناوله القلم والقرطاس وأمره أن يكتب البشارة ، فأخذ القرطاس اضطرارا وكتب ما صورته : أيتها القحبة الرحبة ، أما بعد ، فإنه ما خفي عليّ من أفعالك القبيحة وإدخالك الرجال إلى فراشي ، وشرب المسكرات معهم بالعشي والصباح شي ، وساعة أرد عليك ترين ما أصنع بك وأدّق يديك مع رجليك ، وأعصر صلبك مع ساقيك ، وأقسم باللّه لأجعلنك نكالا لذوات الحجال ، ولأنزلن بك وبأمّك وأبيك أنواع النكال ، وأمثال هذا التهديد ، ثم طوى الكتاب وختمه ، وناوله الغلام فطيّر به بعض ثقاته إلى غزنة ، ولم يعلم أنه حمل صحيفة المتلمس . فلما وصل الكتاب إلى تلك المسكينة قامت قيامتها ، وطار عقلها ، وارتفع صياحها ، ولم تشك في نزول البلاء ، وإن بعض أعدائها وشى عليها ، ولم تجد هي وأمها وأبوها أنفع لهم من الاستتار والاختفاء ، فاختفوا في بيوت بعض أهل المدينة . وأما الغلام الأبله فإنه وافى بملك غرشستان إلى حضرة السلطان محمود نيسابور وكان مقيما بها ، فلما دخل عليه وبخّه على العصيان وترك طاعته كسائر ملوك خراسان ، ثم أمر أن يجرّد من ثيابه ويضرب تأديبا على سوء أدبه في كتابه ، ففعل به ذلك وأخذ جميع ماله وحبسه ، فهان عليه بعد زوال الملك وعزّة التيجان ما سلبه من الجواهر النفيسة والديباج والعقيان ، ولم يطلب مما أخذ عليه في تلك الحال إلّا غلاما له قد فضح بقدّه وجيده الغصن والغزال وكان يحبه ، وما الملك عنده إلّا قربه ، فأرجع له وسكن بقربه الولد .
--> ( 1 ) في هامش الأصل : « الأفاغنة » .