محمد أمين المحبي

44

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية )

فرّقت بين روح وجسد ، وخلّت بين تشفّ وحسد . فأصيب في ذخائر كان عبّأ خباياه منها ، وسلمت ولله الحمد نفسه التي لا عوض عنها . وإذا بقيت النفس فلا التفات إلى الفان ، وهي الأيام ليست إلّا إغفاة أجفان . فبقي بعدها منزويا ، وفي خير الخير كما كان منطويا . ولم يغفل لسانه عن شكر ، ولا شاب فيها حالته المعروفة بنكر . حتى طوى الحمام محاسنه الفاخرة ، فالله يعوّضه عن لذّات الدنيا بنعيم الآخرة . وقد ذكرت من آثار قلمه ما يروى لشرف الناظم ، والمنسوب يصير عظيما بالنّسبة إلى الأعاظم . فمن ذلك ما كتبه على طومار يشتمل على كرامات أبي الغيث القشّاش التّونسي : [ الطويل ] أرى أسطرا في ضمن تلك الرسالة * جداول من بحر الحقيقة سالت ومن منبعي علم اليقين وعينه * أسالت معين الحقّ أيّ إسالة وفيها جلت حالات حبّ كأنها * طواويس جنّات تجلّت وجالت وفي ضمنها تنشيط أهل محبّة * وتنبيه تعبير لأهل البطالة أبو الغيث نعم الغوث خير وسيلة * إلى من به قد كان ختم الرسالة قلت : أبو الغيث هذا آية الله الكبرى في الفنون ، والنائل من مقامات القرب والتخصيص ما لا تتخيّله الأوهام والظنون . ومن أراد استقصاء أحواله ، فعليه بتاريخي فهو موشّى بذكر أفعاله وأقواله . وكتب على فرائض العلاء الطّرابلسيّ ، الإمام بجامع دمشق : [ الطويل ] كتاب نفيس للفوائد جامع * مفيد لطلّاب المسائل نافع على حسن ترتيب تحلّى مجمّلا * فقرّت عيون للورى ومجامع بدا معجبا إذ لم تر العين مثله * به نور آثار الفضائل لامع لجامعه فخر الأئمّة سؤدد * لرايات أنوار المكارم رافع أفاض عليه الربّ من سحب جوده * فبحر عطاه الجمّ للخلق واسع فسدّد من جمعه وأحسن ، وأمعن فيما جمع وأتقن . حيث أتى بمختصر حسن ، في تلخيص مطوّلات هذا الفن . ولما أجلت نظري في ربوة حسنه وبهجته ، وشممت من جانب واديه عرف شميمه ونفحته .