محمد أمين المحبي

23

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية )

فلو وضعت صنجات النجوم من نيران السماء في كفّة ، لم توازن مناقبه الغرّ ونسبت إلى طيش وخفّة . له تدبير محتنك مجرّب ، ورأي ممارس مشرّق ومغرّب . ونظمه ونثره باللسانين ، هذا يقصر عنه من السحاب درّه ، وذا يصغر عنه من السّخاب درّه . فذا أصفى قطرا وديمة ، وذا أوفى قدرا وقيمة . وكان في آخر أمره تنبّه حظّه من نومته ، وسيم من الإقبال التّام بسومته . فولى قضاء الشام ، ونال رتبة يتباهى بها العزّ والاحتشام . وقد رأيته يوم دخوله ، وزحمة الأعين تحول بين التملّي ووجهه ، فرأيت شيخا إذا سار البدر في موكب نجومه ، قيل قد غنينا عنه بتلهّبه . وقد أخلق العمر عمائم ثلاثا في رأسه ، وأشعل للرحيل بهذه النّعشة ذبالة نبراسه . ولم يبق من كأس عمره إلا جرعة ، وبريد المنيّة سائر إليه في عجلة وسرعة . فما حطّ أثقاله بهذا الفنا ، حتى نزل دار البقا وترك دار الفنا . فاللّه ينوّر له الحفيرة والتّربة ، وهو المسؤول أن يؤنس له الوحشة والغربة . وهذا جانب من نثره الفائق ، ونظمه الرائق . أتيت منه بالقليل من الكثير ، فإن محاسنة تزيد على نجوم الفلك الأثير . فمن ذلك ما كتبه إلى مفتي الدولة : [ الطويل ] دروع لشاكي الطعن هذي الرسائل * يردّ بها عن نفسه ويشاغل « 1 » هي الزّرد الضّافي عليه ولفظها * عليك ثناء سابغ وفضائل أتاك يكاد الرأس يجحد عنقه * وتنقدّ تحت الذّعر منه المفاصل كيف لا ، وأيّد اللّه مولانا ، وهو مظهر الجلال والقهر ، ومصدر الحماسة والسيادة في أبناء الدهر . ذو الهمة التي همّت بالدهر إذ تصرّف في الأحرار بصروفه ، والعزمة التي عزمت على تسكين دور دوائر حتوفه . الذي تصهّر باستبعاده الأحرار من عزمهم غصنا وريقا ، وتسنّم من سبح الجلالة والجبروت مكانا وثيقا . متى استنجد تنمّر تنمّر الليث ، أو استغيث تشمّر تشمّر البطل عند الغيث . يكاد سنا برق سطوته يذهب بالأبصار ، وتكاد صواعق دولته تخرّب المدائن والأمصار .

--> ( 1 ) الأبيات للمتنبي ، انظر ديوان المتنبي 3 / 390 .