محمد أمين المحبي

18

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية )

وها أنا ذا أورد منها ما نلتزمه ونترك عنك درر البحور ، فإن بها زينة الصدور ، وتلك بها زينة النّحور . وكل ما أذكر له إما تشبيه زهرا وزهر ، أو وصف روض يطلّ على نهر . وهو ممّن أغري بهذين النوعين ، فأتى منهما بجمل متكاثرة ، ونظم فيها بدعا أضحت لها عقود التّرائب متناثرة . وذلك إما لميل غريزيّ في فطرته ، أو لأن دمشق متروّح فكرته . وحسبك من طبع لو كان للسحب صيّرت الزمان فصل الربيع ، وفكرة لو كانت للنجوم السّيّارة جرين سعدا أكبر في التّربيع . ويكفيك من متروّح تنفتح العين منه على بهجة ونضارة ، ومسرح ينجلي القلب منه بجدّة وغضارة . فمن ذلك مقامته الربيعيّة ، كتبها للأمير حمزة الدّفتريّ ، بدمشق ، وقد احتوت على معظم تشبيهات الزهور . وهي : [ الطويل ] إلى روضة الآداب ريحانة النّدّ * تحايا حفاظ حرّكتها يد الودّ فجاءت كأنفاس الرّياح تسحّبت * على رشحات الطّلّ من وجنة الورد هذا ، وقد عنّ للخاطر يا سيدي أن يزفّ إليك بوادره ، ويجلي عليك نوادره . إذ لا بد للنفوس أن تمرح ، وللنّوادر أن تستباح وتستملح . وقد أشعرت أني دفعت إلى مناجاة الفكر الفاتر ، عند قلة المحادثة والمناظر . فخاطبني في ابتكار النّخب ، وأغراني بافتراع أبكار الأدب . وقال : ما تقول في دعابة تقلّص ذيل الوقار ، وتزري بأكؤس العقار . فقلت : إيه ، يا نبيه . ثم لزمت الإصاخة لتلقّيه . فسلك بي طريقا من الواهمة ، كأنما أعدّه لهذه المنادمة . فأفضى إلى روض مندّى ، كأنما تجلّل بالنعيم وتردّ . وقد فرشت ملاءة النّور على ميادينه ، وحرشت أيدي النّسيم بين رياحينه . يخترقه نهر كأنما يسيل من درّة ، أو ترقرق من عبرة . وعليه درّ من الفواقع منظوم ، وبسماطيه وشي من الأزاهر مرقوم . فمن نرجس نعته الفتور ، وورد كأنّما انتزع من أوجه الحور .