محمد أمين المحبي

58

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية )

وما جاده الغيث عن غلّة * ولكن ليبكي النّدى بالنّدى وقيل فيه « 1 » : [ الخفيف ] قلت لمّا قضى ابن شاهين نحبا * وهو مولى كلّ يشير إليه رحم اللّه سيّدا وعزيزا * بكت الأرض والسّماء عليه فممّا اخترته من آثاره ، وألمعت به من نظامه ونثاره رسالة ألمع بها على الأسلوب البديع ، وجرى فيها على أسلوب البديع ، كتب بها إلى شيخه الحسن البورينيّ ، يتعهّد بها مطالعته ، ويسأل مراجعته ، عقب مهاجرة وقعت بينهما ، واقتضت بينهما : أعزّ اللّه الشيخ الذي سكن من الجوارح أشرفها ، وسلك من طرق الجفا أوعرها وأسرفها . وبالغ في العقوبة وزاد ، واستغرق أوقات الوداد ، بالبعد والعناد . وارتكب مركبا من الخليقة صعبا ، وقطع جميع الطّرق إلّا طريق الوفا وثبا . واستعار أذنا ليستوعي بها المثالب ، وعينا ينظر بها المصائب . ويدا يبطش بها في كلّ صاحب ومصاحب ، ورجلا يسعى بها إلى الأباعد دون الأقارب . ووجها يتصرّف في أسرّته ، كمتصرّف الملك الجائر في رعيّته . ويفعل بمحبّيه ، ما لا يفعل الدهر ببنيه . لا تظهر الطّلاقة في وجهه إلّا ريثما يخلطها بإعراض ، ولا ينبسط هنيئة من الزّمان إلا وهو وشيك انقباض . يبدو لطفه لمعا ثم ينقطع ، ويحلو ماؤه جرعا ثم يمتنع . فلا يدوم له سرور الهنا ، إلّا بما هو من حمانا يحلّه ، وبما هو من أعراضنا يستحلّه . فيا ليت شعري ، أيّ مصون من سرّك أذعته ، أو مفروض في الخدمة رفضته ، أو واجب في الزّيارة أهملته . وهل كنت إلا كما قيل : ضيف أهداه بلد شاسع ، وأدّاه أمل واسع . وحداه عقل ، وإن قلّ . وهداه رأي ، وإن ضلّ . ثم ما أبعدت صحبة إلّا أذنت مهانة ، ولا زادت حرقة إلا نقصت صيانة . ولا تضاعفت ذمّة ، إلّا تراجعت منزلة . ولم تزل الغصّة بنا حتّى صار الوابل رذاذا ، والتّشوّق المفرط معاذا . وصار حسن ذلك الالتفات ازورارا ، وطويل ذلك السّلام اختصارا .

--> ( 1 ) الأبيات للأمير المنجكي ، انظر خلاصة الأثر ( 1 / 217 ) ، وديوان منجك ( 48 ) .