محمد أمين المحبي
42
نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية )
من التّقدمة بتلك العمامة . فقامت الأماني خلفه صفوفا ، واستوعب من المعالي أنواعا وصنوفا . وما زال من حين خروجه ، يتنقّل تنقّل القمر في بروجه . إلى أن صار ثالث القمرين ، وفاز برتبة قضاء العسكرين . وكان مع ما أعطيه من الرتبة التي لا تنال إلا بالتّمنّي ، والحرمة التي ترمى لنيلها المطايا بالتّغنّي . لم يبرح يحنّ إلى مواطن إيناسه ، ويرتاح إلى مراتع غزلان صريمه وكناسه . هذا ، وله الفضل الذي تليت سور أوصافه ، وجليت صور اتّسامه بالتّفوّق واتّصافه . والتصانيف التي ما جعلت الأقلام ساجدة إلّا لمّا رأت محاريب قرطاسها ، وما سمّيت خرساء إلا قبل أن ينفث في روعها روائع أنفاسها . وأما الأدب فهو إمامه الذي به يقتدى ، وسابقه الذي بذكره يبتدى . وله الشّعر الذي اقتبس ألفاظه من ذوات الأطواق ، واختلس معانيه من حنين العشّاق تكابد الأشواق . يطرب من لم يكن يطرب ، ويكاد لفظه من العذوبة يشرب . وها أنا أورد منه ما تتباهى به حروف الرّقاع ، ويلذّ في السّمع لذّة الغناء من كل شكل حسن على الإيقاع . فمنه قوله من قصيدة أولها : [ الكامل ] هذا الحمى أين الرّفيق المنجد * قد يمّم الخيف الفريق المنجد بانوا فلا داري بجلّق بعدهم * داري ولا عيشي لديها أرغد « 1 » وعلى الأكلّة فتية لعبت بهم * راح السّرى والعيس فيهم تسجد يتهافتون على الرّحال كأنّهم * قضب على كثب النّقا تتأوّد واها على وادي منى والهفتي * لو لهفتي تجدي وآهي تسعد كانت عروس الدّهر أيّاما لنا * فيه ثلاث ليتها لي عوّد عهدي به مغنى الهوى تستامه * عين مسهّدة وقلب مكمد ما باله بعد الثّلاثة أقفرت * منه معالمه وأقوى المعهد يا هل لليلات بجمع عودة * أم هل إلى جمع المعرّف موعد جسمي بأكناف الشّآم مخيّم * وهواي بالرّكب اليماني مصعد تاللّه هاتيك اللّيالي أسأرت * في مهجتي نارا تقوم وتقعد
--> ( 1 ) جلق : بكسرتين مشددة اللام : دمشق أو غوطتها ، أو ناحية بالأندلس [ وربما قصد دمشق لأنه منها ] . القاموس المحيط مادة ( جلق ) .