محمد أمين المحبي

25

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية )

ومن إليه يصبو القلب ويحنّ ، وبتذكّره ينثني غصن البراعة ويرجحنّ . ففي أوصافه مشمّ للرّوح عبق ، ولطف يروّق به كاسه المصطبح والمغتبق . فروض ودّه غضّ ، وعرضه الطّاهر لا ينال منه ولا يغض . ومدامة طبعه لم يهنها عصّار ، وشفوف فكره لم يحتمل منّة قصّار . مع ماله من أخلاق أقطعها الرّوض أنفاسه ، وشيم ينافس فيها رغبة ونفاسة . وأدب دار به رحيق البيان المعتّق ، وملأ الأكمام بزهر كمامه المفتّق . ينشر منه ما هو أزكى من النّشر من خلال النّواسم ، بل أحلى من الرّيق يترقرق في خلال المباسم . ومضى عليه زمن يستفيد به العيش رغدا ، ويستنجز اليوم ما يوعد به غدا . بين روض من خلقه خلق ، ونسيم عرفه بشمائله علق . جلاليب نشوته صفاق ، وأردية شموله وصباه رقاق . لا ينتعش إلا بغرّة رقراق الشباب الغرير ، ولا يولع إلا بطرّة الظل فوق وجه الغدير . فهنالك بين الغصن والصّبا ، والقطر وزهر الرّبى . ولّد آدابه التي هي عبارة عنها ، وأطلع أشعاره التي يستعار الحسن منها . وقد جمع شعره في ديوان سمّاه « مقام إبراهيم ، في الشعر النّظيم » . أكثره روضيّات يغض عندها وشي الخميلة ، وغزليّات يتستّر عندها نقش الغانية الجميلة . وخمريّات صيغت مداما فهي للمسامع مشروبة ، وحكميّات أبياتها أمثال في الدنيا مضروبة . وها أنا أورد منها ما يفوح نفسه ، حتّى كأنّ الحبيب يتنفّسه . ويعبق روحه ، حتّى كأنّ فوح الزّهر فوحه . قال في ديباجته : هذه نبذة من شعر سمح به الخاطر على جموده ، وتوقّد به الفكر على خموده . وإن كنت في زمن العاقل فيه خليق بالصّمت ، وإن أدّاه إلى المقت . ذهب جلّ النّاس ، وأين الزّعنفة من الرّاس . لا يجاز فيه شاعر ، ولا يكرم أديب ماهر . غير أن حبّ الأدب في الطّباع ، وهو داع إلى الاتّباع . اتّباعهم في التراكيب والبنا ، لا في الإجادة لعدم الغنا . ذهبت الإفادة ، فكيف بالإجادة . ولعمري من لا يجيد في عصرنا معذور ، وذنبه فيما أتاه مغفور . إذ أرتج باب البواعث والدّواعي ، بانقراض أهل الكرم والمساعي .