محمد أمين المحبي

12

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية )

عزمت على الرّحلة إلى القاهرة ، لأسبر ذلك الجمع ، وأطابق ما بين العيان والسّمع . فمنعني حكم القضا ، الذي لا يقابل إلّا بالرّضا . فوجّهت وجهي نحو بلادي ، ونزعت إلى ما تركته من طريفي وتلادي . أستهدي طرف الآثار لأودعها كتاب التّحائف ، وأخطّ نونات المنى بأيدي العيس « 1 » في تلك الصّحائف . فلمّا ألقيت بدمشق عصا التّرحال ، وحلّيت في ساحتها عقدة الرّحال . عمدت إلى مجموعي الذي انتحيت ، وطلقي الذي إليه تنحّيت . فضممت إلى الأصل ما تلقّيته ، وأثبتّ ما اخترته من الأشعار وانتقيته . وحبّب إليّ الانعزال عن النّاس ، فلم أخالطهم في وحشة ولا إيناس . إلى أن ورد إلى دمشق الأستاذ زين العابدين البكريّ ، وللحياة عطفة بشّة ، وللجذل نعمة هشّة . وللهضب رجاح احتبائه ، وللنّور المقدّس جوهر حوبائه . فاستخرجني من مطمورة المنزل ، وصيّرني عن الهمّ في معزل . وأطلق أملي وكان معقولا ، وأعاد خاطري بعد الصّدأ مصقولا . ففتّقت في أوقاته مبسما ، واغتنمت للعمر الهنيّ موسما . ورأيت بشرا يطّرد وصيلا ، وإقبالا يتعاقب بكرة وأصيلا . وكان أشار إليّ بالرّحلة معه حين أن همّ بالرّجعة ، فتخلّفت لعائق خلّفني لولوعي ، وخلّى بين الغرام وضلوعي . ذاك ولوع للمجد لا لنجد ، وغرام للعليا لا للأفيا « 2 » . فلو لا النّفائس لم يحفل بالأدراج ، ولولا الكواكب لم تحفظ الأبراج . ولا اتّخذ الغمد لولا الحسام ، ولولا الأرواح لم تؤلّف الأجسام . فبقيت موزّع الفكر ، مقسّم الأناة بين التّصوّر والذّكر . على أنّي وإن تباعدت المدائن ، فأنا بولائه وصدق مودّته دائن . وإن لم تنظّمنا الرّكاب المسئدة ، فقد انتظمت منّا على المودّة الأفئدة . وهذه علاقة تستجدّ كلّما تتلى ، لأنّها ليست لغرض يبلى . بل علقته لأخلاقه لا لأعلاقه ، وتعلّقت بآدابه لا بأهدابه . وصرت أودّ لو طرت إليه كلّ مطار ، وكنت معه على آمال وأوطار .

--> ( 1 ) العيس بالكسر : الإبل البيض يخالط بياضها شقرة ، وهو أعيس وهي عيساء ، وعيساء : امرأة . ا . ه انظر القاموس المحيط مادة ( عيس ) . ( 2 ) الأفي من السحاب : الذي يفرغ ماءه ويذهب . انظر القاموس المحيط ، مادة ( أفي ) .