أبو الوفاء بن عمر الحلبي العرضي

99

معادن الذهب في الأعيان المشرفة بهم حلب

ثم بعد مدة قليلة مات الشيخ أحمد . ولقد كان الشيخ أحمد لا يغفل عن اللّه طرفة عين ؛ نهاره بتمامه يقضيه في الأوراد والذكر ، وإقراء الدروس ، وإقراء الضيوف . خبزه للفقراء في اليوم نحو نصف قنطار حلبي . وكان يأتيه أهل بلاد الشرق من الأكراد وغيرهم كالجراد المنتشر . يتخذ في كل سنة خلوة في أنطاكية في مسجد الشيخ علي الأنطاكي شيخ والده . ويأتيه الناس من أقطار الأرض ، [ و ] « 1 » يجتمع عنده الألوف . فيقبل على العبادات والرياضيات والمجاهدات والوعظ ، وتأتيه النذور من أطراف البلاد . لا يتناول من مال السلطان الدرهم الفرد . ويلوم من يأخذ من مال السلطان ومن يتولى القضاء . يبكي غالب أوقاته خوفا من اللّه عزّ وجل ، لا يتكلم بأحوال الدنيا بل جل كلامه أحوال الآخرة . يتمسك بالشريعة ولا يخرج عنها ذرّة . سافر للحج الشريف وهو شاب فنزل في حماه . وكان سيدي الشيخ علوان ، قدس اللّه سرّه ، في مجلس شكوى الخواطر على مريديه . فأخذ في أثناء المجلس يكرر قوله تعالى : « إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ » « 2 » . فقيل له بعد الفراغ : ما مناسب هذه الآية ؟ قال : شممت رائحة الولاية من نواحي القصير . قوموا وتفحصوا من جاء من بلاد القصير . فقاموا وتفحصوا حتى وجدوا الشيخ أحمد . فأحضروه لدى الشيخ علوان . فتعانقا وتباكيا . وأخبرني الشيخ الوالد وجماعات متعددة أن رجلا غرس في القصير كرما . ونذر أنه يعطي للشيخ جميع ثمر أول سنة . فجاء بقفتين من العنب والتين . وعند الشيخ إنسان بعباءة ثخينة على هيئة الفلاحين ، قال له الشيخ : استعملوا من هذا . ثم دخل الشيخ إلى داره ليأمر بطعام للناذر .

--> ( 1 ) إضافة المحقق . ( 2 ) الآية : 94 / يوسف : 12 .