أبو الوفاء بن عمر الحلبي العرضي
314
معادن الذهب في الأعيان المشرفة بهم حلب
59 - حسين باشا بن يوسف ابن سيفا « * » نبت النعمة والنضارة ، وفرع دوحة الجلالة والامارة ، والغصن الغض في سرحة الرئاسة ، والثمر الخارج من أفنان الأصل والحماسة . دوحة شجرة غرسها ظهور الخيل ، وليث غابة لا يصده عن الافتراس حزن القفار وغيهب الليل . له تمام الاقدام ، ولو على الضرغام . قتل النفوس أحب إليه من قبل العروس ، وأشهى من احتساء المدام ، وأطيب من لذة المنام . لم تحنّكه التجارب ، ولا ينظر في العواقب ، بين سكر الحداثة والهوى والمدام والمال والامارة . وتجرع منه أهل إقليمه حنظل المرارة ، طاش عقله تنبيها وفخرا ، وغاب رشده فلم يدخر الأعمال الصالحة للأخرى ، لا يصغي لشاك ، ولا يرق لدمعة باك . قلبه أقسى من الصخور ، وفؤاده ليس فيه بيت الحشية معمور . كم بسطت أيادي المظلومين بالدعاء عليه في الظلام ، وكم كتبت بالدموع على صفحات الوجوه قصص الجور ورفعتها في ديوان الأسحار ، لدى الملك ذي الانتقام ، فقال : وعزتي وجلالي لأنصرنكم ولو بعد حين ، ولأجعلنه حديثا في الآخرين . إن اللّه ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته . سهام الليل لا تخطئ ولكن لها أمد وللأمد انقضاء . كم فوق الفقراء أيدي سبأ ، وكم من غني اتخذ من أجله في البحر سربا « 1 » ، فشتتهم غراب طغيانه ، ونعق فيهم بوم عدوانه .
--> ( * ) من أمراء طرابلس ، أخته زوجة الأمير فخر الدين . ( 1 ) السرب : القناة تجري فيها المياه .