أبو الوفاء بن عمر الحلبي العرضي

200

معادن الذهب في الأعيان المشرفة بهم حلب

وكانت حلب ونواحيها أجدبت ، فاستسقى اللّه تعالى بالوالد . وكان الوالد يدعو اللّه ، ويعظ الناس ، وهو يبكي حتى أنزل اللّه المطر . ومات الوالد في زمنه فأعطانا مؤونة تجهيزه ، واحتفل بنا غاية الاحتفال ، وحمل سرير الوالد وبكى عليه بكاء شديدا . وأخبر أنه لما ورد عليه أمر السلطان « 1 » بتعمير السرايا فعمرها وقال في نفسه : أي من دخل إليها بعد تمام التعمير قبل كل الناس يكون من رجال الغيب ، أهل العناية من اللّه عزّ وجل . فلما كملت وأصبح الصبح وقعد ينتظر من يأتيه . فإذا بالقائل يقول له : الشيخ عمر أفندي جاء إليكم . فتلقاه إلى خارج ، وفرح غاية الفرح ، وظهر له أنه ظفر تمام الظفر . وكان يوم الجمعة ثالث يوم موت الشيخ / الوالد . فبعث مناديا : احضروا يا أهل حلب لسماع وعظ الشيخ وفاء « 2 » مكان والده . ففرح الناس غاية الفرح ، واجتمع الألوف ، حتى وعظت في ذلك اليوم الحافل . وصار لي عجيبة . من أول ، كنت إذا وعظت استمرت المطالعة من الأسفار إلى وقت العصر ، لا أكلم أحدا . ولا أشتغل ذلك اليوم عن الوعظ بشاغل . ومع ذلك يرتج بي المجلس من الحفظ ، وأبقى متحيرا في إكمال المجلس لغلبة النسيان . ومن ذلك اليوم ما عدت أفتقر إلا إلى مطالعة نحو ساعة أو ساعتين . فعرفت أن ذلك من أنفاس الوالد ، ومن روحانية الوالد ، قدس سره العزيز . وأعطاني عرضا بمدرسة الحلاوية « 3 »

--> ( 1 ) في الأصل : سلطان . ( 2 ) يعني أبا الوفاء المؤلف . ( 3 ) الحلاوية : كانت كنيسة ، بنتها هيلانة أم قسطنطين ، وحولها القاضي ابن الخشاب إلى مسجد وعرف بمسجد السراجين . جددها نور الدين وجعلها مدرسة حنفية . من أبرز من درّس بها ابن العديم والرومي وابن شحنة . والمدرسة اليوم مسجد قريب من الباب الرئيسي للجامع الأموي . - نهر الذهب : 2 / 216 .