الشيخ نجم الدين الغزي

230

الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة

الكلام في طريق القوم والتكلم على الخواطر التي يشكوها اليه الفقراء وكان مدة اقامته بدمشق يسافر لزيارة شيخه في كل سنة مرة ويقيم فيها ثلاثة أيام بحماة ثم يرجع ولما مات شيخه خرج لتعزية ولديه وزيارته ثم عاد إلى دمشق وبقي على عادته من زيارة شيخه كل سنة مرة بعد موت شيخه حتى لحق به وكان في بداءته ينظر بستانا بحماة وفيه العنب والتين وكثير من أنواع الفواكه فيقطفون العنب وغيره ويبيت في البستان فيصبح وعليه الندى فيكتسي بذلك حسنا فلا يلتفت اليه ولا يعرج عليه ولا يأكل منه حبة واحدة وبقي على ذلك سنين كما قرأت ذلك بخط الشيخ موسى الكناوي وذكر انه سمع ذلك من لفظ الشيخ عمر قال وسمعته مرة يقول كنت مرة انظر في بستان وكان أيام الدراقن الخواجكي وكنت اقطف من ذلك لصاحبه ويبيت في الاناء فيصبح وعليه الندى فتتوق نفسي اليه فامنعها وكذلك كنت افعل مع نفسي في جميع الفواكه انتهى قلت وكذلك كان يعامل أصحابه ومريديه بالمجاهدات الشاقة على النفوس وكان ربما امر بعضهم فيركب على بعير ويعلق في عنقه بعض الأمتعة ويأمر آخر ان يقود به البعير وهما يجهران بذكر اللّه تعالى كما هو المشهور من طريقته وبلغني ان اتى بعض أصدقائه ذات يوم إلى بستانه فذهب وذهب معه الفقراء فلما دخل من باب البستان وجد ساقية ماء فشرب منها وامر الفقراء ان يشربوا من الماء فشربوا ثم قال كل ما في البستان أصله من هذا فقد أخذنا كفايتنا منه فارجعوا فرجع ورجعوا معه ولم يتناولوا من فاكهة البستان شيئا وبلغني ان انسانا جاء اليه يطلب الارشاد والتزمه فامره ان يعترف بين يديه بظلامات الناس ليأمره بالتوبة منها والتحلل وكيف يتوب ويخرج من المظالم فاعترف بين يديه بقتل انسان عمدا فقال له لا بد ان تعترف لأوليائه وتطلب منهم العفو فان عفوا كان طريقك مبينا على امر صحيح وان اقتصّ منك خرجت من عهدة الجناية في الدنيا باستيفائهم منك ما لهم عليك من القصاص والصبر على القصاص في الدنيا أهون من الصبر على عذاب الآخرة ففعل واعترف عند أولياء القتيل فامسكوه وضيقوا عليه واستعدوا عليه عند الحاكم ثم لما بلغهم قصته مع الشيخ عمر عفوا عنه ووهبوه له ومر بعض الأيام على [ أحد ] فقرائه فاشرف عليه فوجد نظره طامحا إلى غلام جميل الصورة فجاء الشيخ حتى حاذاه وأوقع بصره عليه ففطن الرجل ان [ 227 ] شيخه اشرف عليه فخجل وقال يا سيدي ما وقفت هنا الا أتعجب من صانع هذه الخلقة الشريفة ومصور هذه الصورة البديعة يا سيدي ما أحسن تلويز عينيه وحمرة