المناوي
78
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
المبتدئ بكرمه وامتنانه ، أن تقوم عنّي له بما قصّر به شكري ، باديا ذلك بالمحمدة والجود كما هو [ أهله ] « 1 » ، بل ما لا أحصيه من نعمه . فليت شعري أبا إسحاق « 2 » : كيف معرفتك بما جدّد لك « 3 » به من نعمه وآلائه ، وزوى عنك من عطب نوط بلائه ؟ وكيف عملك بعد معرفتك فيما ألزمك به المنعم عليك ، والمنّان بفضله وإحسانه فيما أسدى إليك ؟ ألك ليل ترقده ؟ أو نهار تمهده ؟ أم مستراح عن الجدّ تجده ؟ أم طعام وشراب تعهده ؟ أم سبب « 4 » من الأسباب دون ذلك تقصده ؟ على أنّ ذلك غير نائب عنك في وجوب حقّ النعمة عليك فيما جدّد به من عتيد البر لديك ، لكن الغاية الممكنة من فعلك ، والاجتهاد في بلوغ الأمل من فضله ، فكن له بأفضل ما هيّأ لك عاملا ، وعليه به في سائر أوقاتك مقبلا ، ثم كن له بعد ذلك خاضعا ، مذعنا ، ضارعا ، فإنّ ذلك يسير من كثير ما وجب له عليك . وبعد ، فاحذر ميل التأويل عن الحقائق ، وخذ لنفسك بأحكم الوثائق ، فإنّ التأويل كالصفا الزّلال الذي لا تثبت عليه الأقدام ، وإنّما هلك من هلك من المنسوبين للعلم ، والمشار إليهم بالفضل ، بالميل إلى خطأ التأويل ، واستيلاء ذلك على عقولهم ، وهم في ذلك على وجوه شتّى ، وإني أعيذك باللّه وأستعينه لك ، وأعيذك به من ذلك كلّه ، وأسأله أن يجعل عليك جنّة من جنّة ، ورأفة من رأفته وإحسانه ، وكيف أنت في ترك مواصلة من عرّضك للتقصير ، ودعاك إلى النقص والفتور ؟ وكيف ينبغي أن تكون مباينتك له وهجرانك ؟ وكيف نفور سرّك ، ونبوّ قلبك ، وعزوف ضميرك عنه ؟ وحقيق عليك - على ما وهبه اللّه لك - وخصّك به من العلم الجليل ، والمنزل الشريف ، أن تكون عن المقبلين على الدنيا معرضا ، أو تكون لهم في سرّك ، وجهرك قاليا ، وأن تكون لهم من بلائهم إلى اللّه شافعا ، وكلّ ذلك بعض خصالك التي هي حقّ لك ، وحريّ بك
--> ( 1 ) ما بين حاصرتين مستدرك من الحلية . ( 2 ) في الأصل : فكتب إليه أبو إسحاق ، والمثبت من الحلية . ( 3 ) في الأصل : بما حاولك . والمثبت من الحلية . ( 4 ) في الأصل : سيف . والمثبت من الحلية .