المناوي
544
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
وصحب البصريّ في المغائر بقاسيون ، فلمّا مات صحب الجوعي ، فلمّا مات رجع للمغائر ، فبقي إحدى عشرة سنة ، لا يكلّم أحدا . وكان يصلّي الجمعة ، فلقيه إبليس يوما ، فقال له : يا غلام ، ارجع فقد صلّينا الجمعة ، فرجع ، فرأى الشّمس في كبد السماء ، فمضى ولم يكلّمه ، فلحق الجمعة . وكان يمشي في اليوم أربعين ميلا ، ويختم فيه ختمة ، فتعب يوما ، وغلبه الجوع وضعف ، فأتى في البريّة على عين ماء ينبع ، فقعد [ وقال في نفسه : لو كان مع الماء شيء من طعام نأكله فمع هذا الخاطر في نفسه ] « 1 » ، وإذا بجارية سوداء على رأسه ، فقالت : سيّدي أرسلني إليك بهدية ، وقال : إن قبلها فأنت حرّة ، فقال : ضعيه ، فإذا هما فرنيّتان « 2 » معهما بيض مسلوق ، فتركهما ومضى جزعا من سرعة الإجابة . ومن كراماته أيضا : أنّه قام أيضا ولم يشرب ، فاحتاج إلى الطّهارة ، وقعد على الماء وبكى ، وقال : يا سيّدي ، قد علمت حاجتي للطّهر ، وما يشقّ عليّ من تركه ، فظهرت له كفّ من الحائط فيها كوز ، وقال : خذ فاشرب ، فقال : الطّهارة أغلب عليّ ، فأخذ الكوز فتوضّأ ، وصلّى وشرب ، فأقام بعده ثمانين يوما ، لم يحتج للشّرب . وأضاف قوما فأتاهم بشواء ورقاق ، فقالوا : ما هذا من طعامنا ، فقال : ما طعامكم ؟ قالوا : البقل ، فأتاهم به ، وأكل الشّواء ، وأقاموا يصلّون اللّيل ، ونام المعلّم على طهره اللّيل كلّه ، ثمّ صلّى بهم الصّبح بطهر العتمة ، ثمّ قال : تخرجوا بنا نتفرّج ؟ فأتوا إلى بركة ، ففرش رداءه على الماء ، فصلّى عليه ، ورفعه ، ولم يصبه ماء ، ثم قال : هذا عمل الشّواء ، فأين عمل البقل ؟
--> ( 1 ) ما بين معقوفين مستدرك من مختصر تاريخ دمشق : 21 / 276 . ( 2 ) الفرنيّة : الخبزة المستديرة العظيمة ، منسوبة إلى الفرن . والفرنيّ : طعام يتّخذ ، وهي خبزة مسلّكة مصعنبة ، مضمومة الجوانب إلى الوسط ، يسلّك بعضها في بعض ، ثم تروّى لبنا وسمنا وسكّرا ، واحدته فرنيّة . لسان العرب ( فرن ) .