المناوي

488

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

لبن الغزلان وهنّ لهم طائعات ، ومع ذلك لم أجد فيهم من أعطي الكلام على الطريق . وشكا له فقير صاحب وسوسة ، فشكا إلى الشيخ أمر الوسواس في النّجاسة الكلبية ، فأخذ الشيخ كلبا مبلولا ، ومعك جسده وثيابه به ، ثمّ قال له : قم فصلّ بتلك الحالة ، فقام وصلّى كذلك ، وقد ذهب الوسواس عنه . وكان الشيخ مالكيّ المذهب ، صوفيّ المشرب قويّ الورع في محارم اللّه ، إذا دخل الحمام يملأ الجرن ماء ، ويحبسه ، ويقول للحمّامي : بعني هذا الماء الذي في هذا الجرن بكذا ، فيبيعه له ، فيغتسل به حينئذ . وجاءته امرأة ، فلمّا كان وقت العشاء ، ظهر على السّطح ، ونادى بأعلى صوته : أنا ما عشوت ، فجاءه جيرانه بخبز وطعام ، فقال : ليس هذا مرادي ، قال اللّه : وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [ الزخرف : 36 ] ، وهذه المرأة أمرتها بصلاة العشاء فلم تفعل ، خذوها عنّي ؛ فإنّها شيطانة ، وفارقها من ليلتها . وكان لا يألف مكانا إلّا فارقه ، ولا ملك دارا ، ولا بستانا ، ولا حانوتا ، ولا أكل من علوفات السلاطين حتّى مات . ودخل مرّة حماة فتلقّاه أهلها ، وكان معه جراب فيه مقدار نصف رطل زبيب ، فصار كلّ من تلقّاه يعطيه قبضة ، فأعطاهم أجمعين ، ولم ينقص الجراب شيئا . وكان إذا أذنب الفقير ذنبا وشكا ذلك إليه ، أمره أن يعزّر نفسه ، بوضع النّعال وألواح الغنم في عنقه قلادة ، وأن يدور كذلك في الأسواق وهو يذكر اللّه تعالى ، فيفعل ، فيحصل لمن يراه خشية وبكاء . ولم يزل على حاله ، راقيا في كماله ، إلى أن مات في القرن العاشر . * * *