المناوي
449
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
النسفي » ، ثم أخذ عن المولى خسرو ، والمولى مصلح الدين ابن حسام ، وزوّجه بنته ، ثمّ تحوّل إلى العارف باللّه مصلح الدين ابن الوفاء فأخذ عنه التصوّف . ولمّا تولّى الإفتاء حسده بعض العلماء ، وهو المولى سيدي الحميدي وجمع فتواه ، ورفعها إلى الديوان ، وذكر أنّه أخطأ فيها ، فأخذها الوزير وأرسلها إلى الشيخ ، فأجاب عنها ، ثمّ قال : حصلت لي جذبة فلم يبق بيني وبين الحقّ حجاب ، فوّضت أمر سيدي إليه ، فلم يمض أسبوع إلّا ومات سيدي فجأة . وكان متواضعا متخشّعا يبجّل الصغير ، ويوقّر الكبير ، طاهر اللسان ، لا يذكر أحدا بسوء ، وأنوار العبادة تتلألأ في صفحات وجهه . وكان يقعد في علوّ داره ، وله زنبيل معلّق ، فيلقي المستفتي [ ورقته ] « 1 » فيه ويحرّكه ، فيجذبه الشيخ ، ويكتب الجواب ، ثمّ يدلّيه إليه ، يفعل ذلك لئلا ينتظره الناس للفتوى . وأمر السّلطان سليم بقتل مائة وخمسين رجلا من حفّاظ خزائنه ، فلمّا سمع الشيخ بذلك ، ذهب إلى الديوان ، مع أنّه ليس من العادة أن يذهب المفتي إليه إلّا لأمر مهم ، فتحيّر الوزير ، وقال له : ما حاجتك ؟ قال : الاجتماع بالملك ، فأذن له وحده ، فدخل وسلّم وجلس ، ثمّ قال : وظيفة أهل الفتوى المحافظة على آخرة الملك ، وقد سمعت أنّك أمرت بقتل جماعة ، ولا يجوز قتلهم شرعا ، فغضب الملك ، وقال : ليس من وظيفتك التعرّض لأمر السّلطنة ، قال : لا ، بل لغرض أمر آخرتك ، وهو من وظيفتي ، فإن عفوت فلك النّجاة ، وإلّا فعليك العقاب ، فانكسرت حدّته ، ثمّ عفا عنهم ، ثمّ تحدّث معه ساعة وأراد الانصراف ، فقال : تكلّمت في آخرتك ، وبقي كلام متعلّق بالمروءة ، قال : ما هو ؟ قال : هؤلاء من عبيدك ، فهل يليق بعرض السّلطان أن يتكفّفوا الناس ؟ قرّرهم في مناصبهم ، قال : نعم ، لكنّي أعذّبهم لتقصيرهم في الخدمة ، فقال له : هذا جائز ، لأنّ التعذيب منوط برأيك ، ثمّ انصرف مشكورا . ولمّا ذهب السّلطان سليم إلى أدرنة صحبه المولى المذكور ، فلقي بالطريق
--> ( 1 ) ما بين معقوفين مستدرك من الشقائق : 174 .