المناوي

221

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

حكى عنه تلميذه نصّار النابلسيّ رضي اللّه عنه : أنّه كان من عادته أن يقيم حلقة الذّكر عند قبر إسحاق رضي اللّه عنه إذا زار الخليل عليه الصلاة والسلام كلّ سنة ، فيفتح على واحد من الفقراء بكسوة حال قويّ ، ونور بهيّ ، وكنت ممّن فتح اللّه عليه في سنة من السنين في مجلسه ، فلمّا عرفت ذلك ذهبت إلى خلوتي ، واجتمعت على حالتي ، وشكرت فضل ربّي على سكري من خمر حبّي ، فأخذني حال وظهر لي الشيخ ، وقال : افتح فاك ، ففتحته ، فمدّ كلاليب إلى قلبي ، واقتلع منه شيئا كالكوكب ، وأخرجه وابتلعه ، فسرى عنّي الحال ، وصرت قشرا بلا لبّ ، وقلبا بلا حبّ ، فقمت وذهبت إلى الشيخ باكيا ، فبمجرّد وقوع بصره عليّ ، قال : طيّب خاطرك ، فإنّ حالك محفوظ عندنا ، أخذناه منك صونا له ؛ لنردّه عليك في الآخرة ، ولكن اذهب إلى مصر وتفقّه يحصل لك الخير . قال : وكان من دأبه أنّه لا يدخل أحد إلى بيت المقدس وله حال إلّا سلبه إيّاه . وكان لقوّة رياضته رقيقا ضعيفا نحيفا ، لا يمكنه أن يذهب من مكان إلى آخر إلّا محمولا . واحتفر قبرا لنفسه ، وصلّى فيه خمسة عشر ألف ركعة . وكان غالب أيّامه صائما ، ويفطر على نحو زبيبتين أو شعيرتين . وكان أوّل أمره يربّي الفقراء بالكلام على ما يشكونه من الخواطر « 1 » على عادة الطريقة العلوانية ، ثم أعرض « 2 » عن ذلك وقال للفقراء : قد طوينا الطريق ووضعناه على هذا الرفّ ، فاذكروا اللّه على طريق القيام والمنشد ، فأقام حلقة الذّكر كذلك حتّى مات . وكان يأتيه الفقير ، فيقول له : يا سيّدي ، أنا محتاج من الدّنيا إلى كذا ، فيقول له : اذهب إلى محلّ كذا ، وخذ منه ما تحتاجه . فيذهب فيجده كما قال .

--> ( 1 ) انظر الخواطرية 3 / 508 . ( 2 ) في الأصل : عرض .