المناوي
204
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
الشيخ لصلاة العصر ، ثم اشتغل هو وجماعته بالأوراد ، فلمّا فرغ استقبله وعانقه ، وقال للحاضرين : هذا ضيفنا فأكرموه ، فرأى تلك الليلة سراجا ضعيف الاشتعال في بعض زوايا الجامع ، وكان بيده شمعة يريد أن يوقد منها السّراج ، وقصد ذلك ثلاث مرّات ، وكلّ مرّة يغيب السّراج عن بصره . فلمّا مات الشيخ الإلهيّ ظهرت آثار خلافة الشيخ أحمد بالقسطنطينيّة ، ورغب الناس في خدمته ، وتركوا مناصبهم . وكان مجلسه ذا أبّهة ووقار ، والناس حوله بأدب وسكينة كأنّما على رؤوسهم الطير ، وكان مشرفا على الخواطر ، فيأخذ الناس من كلامه جوابها من غير عرضها عليه . وكان لا يذكر في مجلسه الكلمات الدنيوية أصلا ، وكانت طريقته العمل بالعزيمة وترك البدعة ، واتّباع السّنة ، وترك الصورة ، والانقطاع عن الناس ، والمداومة على الذّكر الخفيّ ، وقلّة الكلام والطعام ، وصوم النهار ، وإحياء الليل . وكان له كرامات ظاهرة ، وأحوال باهرة : منها : ما حكاه خليفته محمود جلبي ، قال : غسّلته وواحد يصبّ الماء ، وواحد بيده منشفة يمسح بها عرقي لأنّي عرقت من الحياء منه وقت الغسل ، ففتح عينيه ثلاث مرّات ، ونظر إليّ كما كان ينظر في حال الحياة ، ثمّ لمّا وضعته في القبر قام هو وتوجّه بنفسه إلى طلب القبلة ، وصلّى على المصطفى صلى اللّه عليه وسلم ، وعاين ذلك الحاضرون هناك من القرّاء وغيرهم ، فصاحوا وكبّروا . مات سنة اثنتين وعشرين وتسع مائة ، ودفن بمسجده . * * *