المناوي
184
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
ففتح عليه فيه من غير خلوة ولا كبير معاملة ، وانتهى به الفتح للأخذ ، فأخذ عن المعرد من عقله الظاهر ، فعجز عن القيام بظاهر العلم مع غلبة الحال ، فكان يترك الصلاة والصّوم ، والشّيخ يعذره لما يعلمه من غلبة الحال عليه . وكان إذا ورد الوارد عليه تكلّم بلسان غريب لا يفهمه إلّا الشيخ ، فسئل الشيخ عنه ، فقال : هذا اللّسان له ألفا سنة ما تكلّم به . ووقف يوما على سطح الرّباط ، ورفع صوته ، وقال : لا إله إلّا أنا ، ردّدها مرّتين ، فسمعها الشيخ فسكت ، وبعد أيّام كان بالرّباط رجل من المشرق ضيفا ، وقف على سطح الرّباط وقال مثل ذلك ، فسمع الشيخ فحبسهما ، ومنع عنهما الطعام والشراب ، فخرج أبو القاسم من الحائط من غير باب ، وبقي المشرقيّ إلى أن أسلم وتاب . ومضى أبو القاسم يوما بدابّة ليعدّي البحر ، يحمل عليها شيئا للبستان ، فلم يجد المعدّية ، فالتقى البرّان له ليمشي عليهما ، فامتنع حتى جاءت المعدّية . وكان يتحدّث مع الشجر وتحدّثه ، وكلّ من مدّ يده من الفقراء إلى شجرة ليأخذ منها شيئا في غيبته ، فتخبره الشجرة ، فيأتيه إلى الرّباط ويخاصمه ، ويقول : لم أخذت من الشجرة الفلانية كذا ، فينكر ، فيقول : هي أصدق منك . ولما دنت وفاة شيخه ابن الصباغ قال أبو القاسم لأصحابه : مات الشيخ البارحة ، فقالوا له : الشيخ حيّ ، وكنّا عنده هذا الوقت ، قال لهم : انتقلت روحه البارحة لرجل من المشرق يعرف بعليّ بن خلف من بلد يقال لها مصّيصة ، وهذه نقلته الحقيقية ، وبقي على بشريته أنفاس يستو فيها ، وكان ذلك بعد يومين . * * *