المناوي
104
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
بمحبّة اللّه ، وشهود الوحدة في كلّ أحيانه ، والسّكر الذي لم يصح منه إلّا قليلا ، وتربية المحبين بحاله ، وهو الأغلب عليه وقاله ، وخرقه للعوائد في أمور ، منها حلق لحيته ، وإيقاد النار حوله ، ومجالسته للكلاب ، مع الزّهد في الدنيا ، وتساوي الأمير والفقير عنده ، ومكالمة الإنسان جهرة بالأمور التي تخطر في قلبه ، حتّى إنّ غالب أهل حلب لمّا اطّلعوا على كشفه الصّريح أذعنوا بولايته ، ولم يبق منهم من ينكر عليه ، إلّا القليل ، فابتلوا بأمور يقصر الكلام عنها . وكان إذا بصق بادر النّاس إلى أخذ بصاقه ، وكان لا يقوم لأحد من النّاس حتّى أرباب الولايات والوزراء وقضاة العساكر . قال : وعرضت لي مصلحة دنيويّة ، وتعسّر أمرها عليّ ، فذهبت إلى الشيخ أستمدّ منه حلّها - وما كنت أذهب من قبل لأحد في أمر دنيوي - فلمّا قدمت عليه كلح في وجهي ، ثم قال : قد قضيت المصلحة وانحلّت ، فلمّا رجعت وجدت الأمر قد تمّ . وكان لي أخ ببلاد الرّوم يسمّى أبا بكر ، فزرت الشيخ يوما ، فقال لي : رحم اللّه أخاك أبا بكر ، قد مات ، فخرجت وأنا مكروب ، فلم يمض إلّا اليسير وجاء الخبر بموته . مرض الشيخ رضي اللّه عنه أيّاما ، ومات في شهر ربيع الثاني سنة إحدى وتسعين وتسع مائة ، عن نحو ثمانين سنة ، وصلّى عليه في جنازة حافلة لم ير مثلها ، وأغلقت حلب لمشهده ، وأسف الناس على فقده ، انتهى . قال بعضهم : كان حال الشيخ أبي بكر مكشوفا ، مشاهدا لكلّ أحد ، وما زاره أحد إلّا عرف مقداره ، واستسلم له وانقاد ، وأحسن فيه الظنّ والاعتقاد . وكان إذا رأيته كأنّك رأيت أسد الغابة ، وما حضره أحد من الأعيان إلّا هابه ، وكان طعامه ما حضر ، ولباسه ما كساه اللّه وبه استتر ، صديقا لكلّ صديق ، عدوا لكلّ زنديق . وكان من المحدّثين الذين لا ينطقون إلّا بالحقّ ، لا عن الهوى ، والمحدّث هو الذي يخبر عن الشّيء فيكون كما أخبر .