المناوي

44

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

وكان يذهب إلى الأماكن البعيدة في قوّة الحرّ ماشيا ، فيقول له ولده محمد : نأتيك بحمار ؟ فيقول : حمار لا يركب حمارا . وكان يكنس المراحيض بيده ، ويملأ الماء من الصّهاريج للأرامل والعاجزين . [ ومن كراماته : ] ومن كراماته ومكاشفاته ، وما حكاه الشّيخ خليل « 1 » قال : كنت في صغري قرأت « سيرة البطّال » ، وأخذت في غيرها من الحكايات ، ولم يعلم بذلك ، فدخلت عليه ، فقال : يا خليل ، من أعظم الآفات السّهر في الخرافات . وأرسل إليه الأمير شيخو يستأذنه في الاجتماع ، فقال لقاصده : قل له : ما يحتاج ؟ التّولية حصلت ، فوقعت . وبات بعض جماعته بغير عشاء لفقد ما يأكله ، فجاء ، وطرق عليه الباب ، وناوله كفايته . وحمل التّراسون « 2 » له قمحا ، فسرقوا منه ، فقال : هاتوا ما أخذتم ؛ فإنّه قمح الفقراء ، فأنكروا ، فماتت حميرهم كلّها في يوم واحد ، فردّوا ما سرقوه . وقدم عليه إنسان بزنبيل ، وفي داخله قراقيش ورغيف ، ولم يعلم بذلك أحد ، فبمجرّد رؤيته ، قال له : كل القراقيش ، وتصدّق بالرغيف . وجاء يوما إلى دكان شواء ، فاشترى منه خروفا مشويا ، وخرج به إلى الكيمان « 3 » ، فأطعمه للكلاب ، فظهر بعد ذلك أنّه كان ميتة . وبلغ بعض مريديه أنّ أمّه ماتت ، فتأهّب للسّفر لها ، وجاءه فودعه ، فقال : اجلس ، أمّك ما ماتت . فكان كذلك . وكان يخرج الفضّة والذّهب من طيّات عمامته من غير أن يضع فيها شيئا ، وإذا جلس على فروة أخرج ذلك من تحتها من غير أن يكون تحتها شيء .

--> ( 1 ) هو خليل بن إسحاق الجندي صاحب المختصر ، وقد أفرد لشيخه صاحب الترجمة مؤلفا في سيرته ، انظر الدرر الكامنة 2 / 86 ، والحاشية ( * ) صفحة 39 . ( 2 ) التراس : سائق العربة . انظر دوزي ، تكملة المعاجم 1 / 144 . ( 3 ) الكيمان : جمع كوم ، وهي التلال المشرفة .