المناوي
41
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
دعاه رجل إلى وليمة ، فأجلسه وجماعته عند النّعال ، وقالوا : امسكوا عن الأكل حتّى يفرغ النّاس . ثم قدّم لهم فضلة العبيد والأطفال . فصار الشّيخ عبد اللّه يلحس الآنية ، ويقول لصحبه : اغتنموا بركة الآكلين ، وتعلّموا حسن الظنّ بالناس ، فإن هؤلاء لولا أحسنوا بنا الظّنّ ، وجعلونا من الصّالحين الذين ماتت نفوسهم ما أجلسونا خلف النّعال ، ولا أطعمونا الفضلة . وكان متزوّجا أمة سوداء ، مسنّة ، شوهاء ، سائلة المخاط ، فكان يقدّم لها نعلها ، ويقول لها : اجعليني في حلّ ؛ فإنّي ما كنت أصلح لك . فقال له بعضهم : إنّا نتكلّف لرؤيتها ، فكيف تضاجعها ؟ فقال : أهوال القيامة ما تركت فيّ بقية لشيء من الشهوات « 1 » . ودعاه ناظر خانقاه سعيد السّعداء للإقامة بها ، فأبى ، وقال : إنّ واقفها شرط خبزها وحلاوتها للصّوفية ، وأنا لست بصوفيّ . ويقول : استأذنت المصطفى صلى اللّه عليه وسلم في الانقطاع عن الناس ، فلم يأذن . وكان قليل المنام والكلام ، ويمكث أيّاما لا يأكل ولا يشرب . وكان يتكلّم في علوم المعارف بأحسن كلام كأنّه قطب دجاها ، وشمس ضحاها ، وسمع الكتب الستّة ، وأسمعها . وكان دائم الاشتغال لا يفتر ، صائم الدّهر ، ويقرئ الكتب الصّعبة كابن الحاجب « 2 » الأصلي « 3 » . . .
--> ( 1 ) سيمر في ترجمته بأنه تزوج عدة زوجات ، صفحة 43 . ( 2 ) ابن الحاجب هو عثمان بن عمر بن أبي بكر أبو عمرو جمال الدين ابن الحاجب ( 570 - 646 ه ) فقيه مالكي ، من كبار العلماء بالعربية ، كردي الأصل ، ولد في إسنا من صعيد مصر ، ونشأ في القاهرة ، وسكن دمشق ، ومات بالإسكندرية وكان أبوه حاجبا فعرف به . الأعلام . ( 3 ) الأصلي هو : منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل ، وقد اختصره ابن الحاجب وهو المشهور المتداول بمختصر المنتهى ، ومختصر ابن الحاجب ، قال فيه : لما رأيت قصور الهمم عن الإكثار ، وميلها إلى الإيجاز والاختصار صنفت مختصرا في أصول الفقه ، ثم اختصرته على وجه بديع ، وينحصر في المبادئ -