المناوي
91
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
وسئل : ما الحكم في أنّه تعالى ذمّ الاستهزاء والمكر ثم فعلهما ؟ « 1 » ، فقال : ويقبح من سواك الفعل عندي * فتفعله فيحسن منك ذاك فقال السّائل : أسألك عن القرآن فتجيب بالشّعر ؟ فقال : لم أجب به إلّا لتعلم أنّ في أقلّ قليل أدلّ دليل ، تخليته تعالى بينهم وبين الاستهزاء ، والمكر مكر منه بهم ، إذ لو شاء لمنع . وسئل : من أقرب أصحابك إليك ؟ قال : ألهجهم بذكر اللّه ، وأسرعهم مبادرة لرضاه . وقال : رأيت رجلا والنّاس حوله والصّبيان يرجمونه بالحجارة حتّى أدموا وجهه ورأسه ، فكشفتهم عنه ، فقالوا : إنّه كافر ، إنّه يزعم رؤية اللّه تعالى ، فتقدّمت إليه ، فوجدته يحدّث نفسه ، ويضحك ويقول : هذا جميل منك ، تسلّط عليّ هؤلاء الصّبيان ، يفعلون معي هكذا ، فقلت له : أصحيح ما تقوله الصّبيان ؟ قال : ما هو ؟ قلت : إنّك ترى ربّك ، فصاح : آه لقلوب لا تعرف مولاها ، وحقّ من تيّمني بحبّه ، وهيّمني بين حبّه وقربه ، لو احتجب عنّي طرفة عين لتقطّعت من ألم البين ، ثمّ ولّى وهو يقول : خيالك في وهمي وذكرك في فمي وقال : من جاع خمسة أيّام فحسّ بالجوع فأمروه بالحرف والمضاجع كالعوامّ ، فإنّ مثل هذا لا يصلح للطّريق . وقال : كنت أمكث الشّهر كاملا لا أتذكّر الطّعام ولا الشّراب إلّا إن حضر بين يدي . وقال : مساكين هؤلاء المماليك ، نظروا بعيونهم إلى الملكوت المخلوق ، ورضوا بالجنان المخلوقة ، فبقوا معها خالِدِينَ فِيها [ النساء : 57 ] ، وأمّا الملوك فلم يرضوا بها ، فنظروا بقلوبهم إلى مالك الملوك فبقوا معه فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [ القمر : 55 ] .
--> ( 1 ) إشارة إلى قوله تعالى : وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [ آل عمران : 54 ] ، وقوله جلّ وعلا : اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [ البقرة : 15 ] .