المناوي

383

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

فلم يأذن ، وقال : أخشى أن تسيء الأدب فيه . فخالف ، وزاره بغير علمه ، فوجد رجلا يصلّي الصّبح ، فاقتدى به فصلّيا ، ثم أدخل الرّجل رأسه في دلقه « 1 » حتّى ارتفعت الشّمس ، فمدّ الشّيخ يده ، وحرّك الدّلق فلم يجد فيه أحدا ، فلبسه ورجع لشيخه ، فصار يجد كلّ يوم دينارا ، فبقي كذلك سنة ، ثم قال له شيخه : حجّ ، وردّ الوديعة لصاحبها ، ما قلت لك ربّما تسيء الأدب ؟ فلمّا كان بعرفة ، ظهر له صاحب الدّلق ، فقال له : هات الوديعة مع بقاء ما تجده حتّى ترجع . ومن وقائعه أيضا : أنّه أتته امرأة ، وقالت : ادع لي أن يرزقني اللّه ولدا ذكرا . فقال : سترزقين ذلك . فوضعت أنثى . فقالت له فيه ، فقال : واللّه ، ما قلت لك إلّا بعد ما مسست ذكره بيدي هذه ، لكنّ اللّه أراد أن يكذّب هذه اللّحية . ومن غرائبه : أنّه خرج لزيارة قبر هود عليه السّلام ، فوافق خروج الشّيخ سعيد الحضرمي بجماعته ، فساروا جميعا ، فعنّ للشّيخ سعيد الرّجوع ، فرجع ، ومضى صاحب التّرجمة وزار ، فلمّا كان بعد مدّة خرج كلّ منهما للزّيارة بغير موعد ، فقال له صاحب التّرجمة : سعيد ، قد توجّه عليك حقّ للفقراء برجوعك تلك المرّة . قال : لا . قال : بلى ، قم وأنصف من نفسك ، فقال سعيد : من أقامنا أقعدناه ، فقال أحمد : من أقعدنا ابتليناه . فأصاب كلّ منهما ما قال صاحبه حتّى ماتا . قال اليافعيّ « 2 » : وهذه أحوال تكلّ في جنب قطعها السّيوف القاطعة ، وإنّما يقطع الحالان معا إذا كانا متكافئين ، وإلّا قطع القويّ الضّعيف . قال : وقد يقطع السابق دون المسبوق ، ثمّ اعتذر عنهما ، فقال : الجواب أنّه إمّا أن يكون المولى أذن لكلّ منهما أن يؤدّب الآخر بإشارة مفهومة عند ذوي الأحوال والمقامات ابتلاء منه سبحانه ، كما جرى لبني إسرائيل في قتل بعضهم بعضا ،

--> ( 1 ) الدّلق : ثوب متسع الأكمام ، طويلها ، مفتوح كتفيه بغير تفريج ، سابل على القدمين ، يلبسه القضاة في الدولة الأيوبية ، ويحسن أن يطلق على ما يسمونه الروب ، وهو لباس القضاة والمحامين . متن اللغة ( دلق ) . ( 2 ) مرآة الجنان : 4 / 352 ، 353 .