المناوي

303

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

وقال : من لم يطّلع على مكائد الشيطان وآفات النفوس فأكثر عباداته تعب ضائع ، يفوّت عليه الدّنيا ، ويخسّره في الآخرة . وقال : مسكين ابن آدم ، يمرض كرها ، ويموت كرها ، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرّا ، ولا خيرا ولا شرا ، يريد أن يعلم الشيء فيجهله ، وأن يذكره فينساه ، وأن ينساه فيذكره ، وأن يتصرّف في قلبه « 1 » إلى ما يهمّه فيجول في أودية الوسواس والأفكار بالاضطرار ، ولا يملك قلبه قلبه ، ولا نفسه نفسه ، يشتهي الشيء وقد يكون فيه هلاكه ، ويكرهه وفيه حياته ، يستلذّ الأطعمة وترديه ، ويستبشع الأدوية وتحييه ، لا يأمن في لحظة أن يسلب سمعه وبصره ، وتفلج أعضاؤه ، ويختلس عقله ، وتختطف روحه فهو مضطرّ ذليل ، إن ترك بقي ، وإن اختطف فني ، عبد مملوك لا يقدر على شيء ، فأيّ شيء أذلّ منه ، لو عرف نفسه ؟ وأنّى يليق به الكبر ؟ ! وقال : الكبر دليل الأمن ، والأمن مهلك ، والتّواضع دليل الخوف ، وهو مسعد . وقال : من أدوية الكبر أن يجتمع مع أقرانه في المحافل ، ويقدّمهم ويجلس تحتهم ، وللشيطان هنا مكيدة وهو أن يقعد في صفّ النّعال ، أو يجعل بينه وبين أقرانه بعض الأرذال ، فيظنّ أنّه تواضع ، وهو عين التكبّر ؛ لإيهامه أنّه ترك مكانه بالاستحقاق ، فيكون تكبّرا بإظهار التّواضع ، بل يقدّم أقرانه ويجلس تحتهم ، ولا ينحطّ إلى صفّ النعال . وقال : قد أهمل النّاس طبّ القلوب ، واشتغلوا بطبّ الأبدان مع أنّها كتب عليها الموت لا محالة ، والقلوب لا تدرك السلامة والسّعادة إلّا بسلامتها . وقال : الغرور سكون النّفس إلى ما يوافق الهوى ، ويميل إليه الطبع . وقال : من ظنّ أنّه ينجو بتقوى أبيه كمن ظنّ أنّه يشبع بأكل أبيه ، ويروى بشربه .

--> ( 1 ) في ( أ ) و ( ب ) : وأن ينصرف قلبه .