المناوي
257
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
أتصرّف في وديعة ؟ قال : لا بدّ . فأحسن الظّنّ به ، وأتاه بما طلب ، فبعد مدّة جاء مكتوب من مالك الوديعة ، وهو بالعراق : أن احمل للشيخ كذا . وعيّن القدر الذي أخذه الشيخ « 1 » . وكان يفتي على مذهب الشّافعي وأحمد معا رضي اللّه عنهما ، فتعجّب علماء العراق من حسن أجوبته . وأتى يوما بفقير يزعم أنّه يرى اللّه بعينه ، فقال : أحقّ ما قيل عنك ؟ فاعترف ، فزجره وهدّده إن فاه بذلك ، ثم قال لحاضريه : هو محقّ في قوله ، ملتبس عليه ، فإنّه شهد ببصيرته نور الجمال ، ثم خرق منها لبصره منفذ ، فرأى بصره ببصيرته « 2 » وشعاعها متّصل بنور شهوده ، فظنّ أن بصره رأى ما شاهدته بصيرته ، وليس كذلك ، بل رأى بصره نور بصيرته فقط . ورأى مرّة نورا ملأ الأفق ، ونودي منه : أنا ربّك ، وقد أبحت لك المحرّمات ، فقال : اخسأ يا لعين ، فانقلب النّور دخانا وظلاما ، فقال : نجوت منّي بفقهك في إحكام منازلاتك ، وقد أضللت بهذا سبعين صدّيقا . فسئل : بما عرفت أنّه شيطان ؟ قال : بقوله أبحت لك المحرّمات . واجتمع له ببغداد مائة من أكابر الفقهاء ، وأتوه لامتحانه ، فأطرق ، فظهرت منه بارقة نور مرّت على صدورهم ، فصاحوا صيحة واحدة ، ومزّقوا ثيابهم ، وكشفوا رؤوسهم ، فصعد الكرسيّ ، وأجاب عن جميع ما عندهم . وسقط عليه وهو يدرس حيّة ، ففرّ من حضر ، فدخلت من ذيله وخرجت من طوقه ، والتفّت على عنقه ، فلم يقطع كلامه ، ولا تغيّر ، ثم قامت بين يديه تكلّمه بكلام لا يفهم ، وانصرفت ، فسئل عنها ، فقال : قالت : اختبرت عدّة أولياء فلم أجد كثباتك ، فقلت : ما أنت إلّا دويدة يحرّكك القضاء والقدر .
--> ( 1 ) الخبر ليس في ( أ ) ولا في ( ب ) . ( 2 ) في ( أ ) فرأى نور بصيرته .