المناوي
254
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
أقدام ، ملوكيّ الفتح ، عظيم المنزلة في التصريف ، كثير الشطح ، ومواعظه مشحونة بلطائف ورقائق ، يرجى الرّجاء منها وتخشى الصواعق ، ومجالس يثني عليها الأئمة ، ولو سكتوا أثنت حدائق الحقائق . وكان في الفقه إماما ، وفي التّصوّف لا يسام رفعة « 1 » ولا يسامى ، قد تضلّع من الأصول والفروع ، وتقدّم على غيره في كلّ فنّ مشروع ، قلّ نظيره ، وعلا على أعلى الأطلس أثيره ، اعترف له بذلك كلّ فقهاء عصره ، وصوفيّة مصره ، وحسبك قول العزّ بن عبد السّلام في حقّه : بلغت الإمامة مبلغ القطع . ولد بجيلان « 2 » سنة سبعين وأربع مائة ، ونشأ بها حتّى شبّ ، فسلك طريق القوم ، وجدّ واجتهد ، وكابد الأهوال حتى كان يلفّ على رأسه خريقة ، ويلبس جبة ، ويمشي حافيا ، ويتقوّت بقمامة البقل ، وورق الخسّ ، ويجاهد نفسه بأنواع الشدائد ، وأقام في خرائب العراق خمسا وعشرين سنة لا يعرف الناس ولا يعرفونه . وأتاه الخضر عليه السلام مرّة وهو لا يعرفه ، فقال له : اقعد هنا حتى آتيك . فأقام في ذلك الموضع ثلاث سنين . ومكث في بدايته سنة لا يأكل ولا يشرب ولا ينام ، واحتلم في ليلة في الشتاء أربعين مرّة ، يغتسل لكلّ مرّة ، ولم يزل على ذلك الحال ، حتى طرقه الحال ، فهام في البراري والجبال ، إلى أن اتّصف بالكمال ، ورزق القبول التّام ، عند الخاصّ والعام ، فكان يأتيه الخليفة فمن دونه ، وعلى عدم زيارته إيّاهم يعاتبونه ، فيأبى ولا يجيب ، ويبالغ بزواجر المواعظ حتّى يكثر النّحيب ، ولم يقم لأحد منهم قطّ ، بل ربّما وقف بين يديه فلا يعبأ به « 3 » ولا يلتفت إليه . وكان على زيّ العلماء ، يتطيلس ، ويركب بغلة ، وتحمل الغاشية بين يديه ، ويجلس للوعظ على كرسيّ عال ، وربّما مشى في الهواء على رؤوس الأشهاد ، ثم عاد . وكان مع ذلك يجلس مع الفقراء ، ويفلّي لهم ثيابهم ، وله المنزلة
--> ( 1 ) في المطبوع : لا يسام رفقة . ( 2 ) في الأصل : ولد ببغداد ، وفي هامش ( أ ) و ( ب ) : صوابه بجيلان . ( 3 ) في المطبوع : منهم قط ولا يعبأ به .