المناوي

252

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

بالقربة على ظهره ويتقوّت ، ويقوت من عنده من مريديه . وكان له خربة يأوي إليها هو ورفقته ، حتى استفاضت كراماته ، واستبانت آياته ، فبنى تلك الخربة رباطا ومدرسة ، وأفلح بسببه خلق كثير ، وأملى مجالس ، وصنّف مؤلفات « 1 » ، واتّفق له في بدايته مجاهدات كثيرة ، واجتمع بسادات شهيرة . وحكى عن نفسه قال : كنت أدخل على شيخي ، وربّما اعتراني بعض فتور عن المجاهدة ، فيقول : أراك دخلت وعليك ظلمة . ومن كلامه : التّصوّف أوّله علم ، وأوسطه عمل ، وآخره موهبة ، فالعلم يكشف عن المراد ، والعمل يعين على الطلب ، والموهبة تبلغ غاية الأمل . وقال : أعلى المقامات عدّ الأنفاس حتى لا يقع له نفس واحد في غفلة عن اللّه . وقال يوما لأصحابه : نحن محتاجون إلى نفقة ، فارجعوا إلى الخلوة ، وسلوا اللّه ، وما يفتح عليكم هاتوه ، ففعلوا ، فجاءه رجل منهم اسمه إسماعيل البطائحي بكاغد « 2 » عليه ثلاثون دائرة ، وقال : أعطيت هذا . فأخذه ، فلم يأخذ إلّا ساعة وإذا برجل دخل عليه ، ووضع بين يديه ذهبا ، فعدّه الشّيخ فإذا هو ثلاثون دينارا ، فنزّل كلّ دينار على دائرة « 3 » ، فإذا هو قدرها ، فقال : كلوا من فتوح إسماعيل « 4 » . مات ببغداد سنة ثلاث وستين وخمس مائة وقبره بها ظاهر يزار ، وعليه مهابة وأنوار .

--> ( 1 ) في المطبوع : لغات . ( 2 ) الكاغد : ورق الكتابة ، القرطاس . ( 3 ) في المطبوع : نزل كل دائرة على دينار . والمثبت من ( ف ) . ( 4 ) الخبر ليس في ( أ ) ولا في ( ب ) .