المناوي
24
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
وهو من كبار أصحاب الجنيد ، وأقعد بعده في مجلسه بوصية منه . وكان غزير العلم ، صحيح الطّريق ، عظيم الشّأن ، بلغ من الطّريق ما لم يبلغه أهل عصره على التّحقيق ، ونظم في التّصوّف ونثر ، ورقى درج منبر الوعظ فكان كأنّه في أعلاه حمام هدر « 1 » . ومن كلامه : أجمع أهل المعرفة على أن للدّين رأس مال وهو عشر صفات ، خمسة في الظّاهر ، وخمسة في الباطن ، فصفات الباطن : حبّ اللّه ، وخوف الفراق منه - أي من شهوده - ورجاء الوصول إليه « 2 » ، وصفات الظّاهر : صدق اللّسان ، والسّخاء في المال ، والتّواضع في البدن ، وكفّ الأذى ، واحتماله بطيبة نفس « 3 » . وقال : ذكرك منوط بك إلى أن يتّصل ذكرك بذكره ، إذ ذاك تخلص من العلل « 4 » فما قرن حدث بقدم إلّا تلاشى ، يبقى الأصل ، وتتلاشى الفروع . وقال : من رضي بدون قدره رفعه اللّه فوق غايته . وقال : إنّ اللّه لا يعبأ بصاحب حكاية ، إنّما يعبأ بصاحب قلب ودراية . وسئل ما العبادة ؟ فقال : حفظ ما كلّفت ، وترك ما كفيت . وقال : من لم يحكّم بينه وبين اللّه التّقوى والمراقبة لم يصل إلى الكشف والمشاهدة . واعتكف بمكّة شهرا ، لا يأكل ، ولا ينام ولا يمدّ رجله ، ولا يستند لحائط ، فقيل له : كيف قدرت ؟ قال : علم صدق باطني فأعانني على ظاهري . وقال : لي نحو عشرين سنة ما مددت رجلي وقت جلوسي في الخلوة أدبا مع اللّه تعالى .
--> ( 1 ) في ( أ ) : هدد . ( 2 ) كذا هي في المطبوع ثلاث صفات فقط ، ولم أجد الخبر في المصادر التي بين يدي . ( 3 ) الخبر من المطبوع فقط . ( 4 ) في طبقات الصوفية 263 : إذ ذاك يرفع ، ويخلص من العلل . . .