المناوي
238
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
عليهم ، وألزموه ، فخرج ، ففرّت منه عصافير على سدرة بداره ، فرجع ، وقال : لو صلحت للحديث عليكم ما فرّ منّي الطّير ولا الوحش ، فقعد عاما « 1 » ، فأتوه ، فخرج فلم تفرّ منه ، فتكلّم عليهم ، وترك الطير تضرب بأجنحتها ، وتصفّق حتى مات منها كثير ، ومات رجل ممن حضر . وكان الشيخ أميّا ، وعلوم الأمي تأتي خالية من الإشكال . قال العارف ابن عربي : كان حال وقته التجريد « 2 » وعدم الادخار . اتّفق له أنّه نسي في جيبه دينارا ، وكان كثيرا ما ينقطع في جبل الكواكب ، وكانت هناك غزالة تأتيه ، فتدرّ عليه « 3 » فيكون ذلك قوته ، فلمّا جاء إلى الجبل ، جاءت الغزالة ، وهو محتاج إلى الطّعام ، فجاءها على عادته ليشرب « 4 » من لبنها ، فنفرت عنه ، وما زالت تنطحه بقرونها ، وكلّما مدّ يده إليها نفرت منه ، ففكّر في سبب ذلك ، فتذكّر الدّينار ، فأخرجه من جيبه ، ورمى به ، فجاءته الغزالة ، وأنست به ، ودرّت عليه . قال - أعني العارف ابن عربي رضي اللّه عنه - : كان شيخنا أبو مدين رضي اللّه عنه قد ترك الحرف ، وجلس مع اللّه على ما يفتح له ، وكان على طريقة عجيبة مع اللّه في ذلك الجلوس ، فإنّه ما كان يردّ شيئا يؤتى به إليه كالشّيخ عبد القادر الجيلي رضي اللّه عنه ، لكنّ عبد القادر كان أنهض في الظّاهر ، لما يعطيه الشرف ، فقيل له : يا أبا مدين ، لم لا تحترف ، أو لم لا تقول بالحرفة ؟ قال : أقول بها . قيل له : لم لا تحترف ؟ قال : الضّيف عندكم إذا نزل بقوم كم توقيت زمن وجوب ضيافته ؟ قالوا : ثلاثة أيام . قال : وبعدها ؟ قالوا : يحترف . قال : اللّه أكبر ، أنصفونا ، نحن أضياف ربّنا ، نزلنا عليه في حضرته على وجه الإقامة عنده إلى الأبد ، فتعينت الضّيافة ، فإنّه تعالى ما دلّ على خلق كريم لعبد إلّا كان هو أولى بالاتّصاف به ، وأيام ربّنا كما قال
--> ( 1 ) في المطبوع : فرجع فمكث سنة . ( 2 ) في ( أ ) والمطبوع : كان حاله وقت التجريد . ( 3 ) في المطبوع : فتدر عليه لبنها . ( 4 ) في المطبوع : جاءت الغزالة على عادتها وهو محتاج إلى الطعام ، فجاء ليشرب .