المناوي
229
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
لهؤلاء ، أتريد أن تبقى الألوهيّة معطّلة الحكم ؟ اشتغل بنفسك ، وليكن نظرك إلى اللّه تعالى وشغلك . قال العارف ابن عربي : وقد دخلت على شيخنا هذا ، وأنا في مثل هذا الحال في بدايتي ، وقد تكدّر عليّ وقتي ؛ لما أرى النّاس فيه من مخالفة الحقّ ، فقال : عليك باللّه ، فخرجت من عنده ، ودخلت على شيخنا أبي عمران « 1 » فقال : عليك بنفسك ، فقلت : يا سيّدي ، حرت بينكما ، أبو العباس يقول عليك باللّه ، وأنت تقول عليك بنفسك ، فبكى ، وقال : الذي دلّك عليه أبو العباس هو الحقّ وإليه الرّجوع ، وكلّ منّا ذكر ما يقتضيه حاله ، وأرجو اللّه أن يلحقني بمقامه ، فرجعت إلى أبي العباس ، وذكرت له مقالته ، فقال : قد أحسن في قوله ، هو دلّك على الطّريق ، وأنا دللتك على الرّفيق فاعمل بما قال لك ، وبما قلته لك تجمع بينهما ، وكلّ من لا يصحب الحقّ في سفره فليس على بيّنة من سلامته فيه « 2 » . وكان يسأل شهوة الحبّ لا الحبّ « 3 » . وسئل عن حدّ المحبّة ، فقال : الغيرة من صفات المحبّة ، والغيرة تأبى إلّا السّتر فلا تحدّ . وقال : سألت بعض المشايخ : متى يعلم المريد أنّه مريد ؟ فأعرض عنّي ، فكررته ثلاثا ، فقال : لا تقل هكذا ، أظنّك تسأل عن أوّل قدم يضعه المريد في الإرادة ؟ قلت : نعم ، قال : إذا اجتمع فيه أربع خصال : تطوى له الأرض فتكون عنده كقدم واحد ، ويمشي على الماء ، ويأكل من الكون متى أراد ، ولا تردّ له دعوة ، فعند ذلك يضع أوّل قدم في الإرادة ، وقال : وأمّا متى علم المريد عندنا أنّه مريد سقط من حدّ الإرادة . فقلت له : آيستنا « 4 » . من الإرادة يا أبا القاسم .
--> ( 1 ) في المطبوع : ابن عربي ، والمثبت من ( ف ) . ( 2 ) لا يعقل أن يكون أبو العباس المذكور هنا هو ابن العريف ، لأن الأخير مات قبل ولادة ابن عربي بأربع وعشرين سنة . والأصح بأنه أحمد الإشبيلي أبو العباس . قارن مع روح القدس 92 - 95 . أفادنيه الدكتور بكري علاء الدين . ( 3 ) في ( أ ) و ( ب ) : لا المحب . ( 4 ) في ( أ ) و ( ف ) : انسيتنا ، وفي المطبوع : السنا . والمثبت من ( ب ) .