المناوي
220
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
ويضرب به المثل في تحمّل الأذى . وكان كثيرا ما يتجلّى الحقّ عليه بالعظمة ، فيذوب حتّى يصير بقعة ماء ، ثم تدركه الرّحمة فيجمد شيئا فشيئا ، حتى يردّ إلى بدنه المعتاد ، ويقول لجماعته : لولا لطف اللّه ما عدت إليكم . ومن كراماته : أنّه كان إذا صعد الكرسيّ سمع حديثه القريب كالبعيد ، حتى إنّ أهل القرى الذين حول بلده يسمعونه كالذين بزاويته ، وكان « 1 » الأصمّ إذا حضره سمع كلامه فقط . ومنها : أنّه كان إذا سأله إنسان أن يكتب له عوذة ، يأخذ الورقة ويكتب عليها بغير مداد ، ففعل يوما ذلك لرجل ، فغاب عنه مرة ، ثم جاءه بها ليكتب له ممتحنا ، فلمّا نظرها ، قال : يا ولدي ، هذه مكتوبة ، وردّها إليه . ومنها : أن رجلين تحابّا في اللّه اسم أحدهما معالي ، والآخر عبد المنعم فخرجا يوما للصحراء ، فتمنّى أحدهما كتاب عتق من النّار ينزل من السماء ، فسقط منها ورقة بيضاء ، فلم يريا فيها كتابة ، فأتيا إلى صاحب الترجمة بها ، ولم يخبراه بالقصّة ، فنظر إليها ثم خرّ ساجدا ، وقال : الحمد للّه الذي أراني عتق أصحابي من النار في الدنيا قبل الآخرة ، فقيل له : هذه بيضاء . فقال : أي أولادي ، يد القدرة « 2 » لا تكتب بسواد ، وهذه مكتوبة بالنور . ولما حجّ وقف تجاه الحجرة الشريفة النبوية ، وأنشد : في حالة البعد روحي كنت أرسلها * تقبّل الأرض عنّي فهي نائبتي وهذه نوبة الأشباح قد حضرت * فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي فخرجت اليد الشّريفة من القبر حتى قبّلها ، والنّاس ينظرون . وأخبر بوقت موته ، وصفته فكان كما قال .
--> ( 1 ) في ( أ ) ومنها الأصم . ( 2 ) في ( ب ) : أي أولادي ، القدرة .